والحانه ، فهو اعجاب فنان بفنان . ولما علمت انه سيحضر حفلة ميلادها التاسع عشر أخذت تقفز على الارض فرحاً وتقبل اخاها فؤاد وتقول :
- « لك ألف شكر يا فؤاد ! ان مجيء الفنان سمير يوم عيدي هو أثمن هدية سأنالها هذا العام ! ولكن ، أتوسل اليك ان لا تقدمني اليه عازفة على الكمان ، لان ذلك قد يوقعني في الاضطراب . »
فأجابها فؤاد بهدوء :
- .. لم لا يا رنده ؟ هل من دواعي الخجل والاضطراب ان تكوني موسيقية ؟ ان سمير يعلم أشياء وأشياء عنك وهو مبتهج بمعرفتك . واعلمي من الان انك ستعزفين امامه قطعته الحديثة « بلا أمل » .
- .. لا ! لا ! يا فؤاد ! لا تطلب مني ان أعزف قطعة جديدة أمام واضعها . انا على يقين ان عزفي سيكون امامه رديئاً . فأرجوك ان تترك لي لذة التعرف اليه هذه المرة ، وأعدك ان اسمعه عزفي على الكمان فيما بعد . »
فأجاب فؤاد مبتسماً وكان فخوراً باخته ومواهبها :
- « سنرى يا عزيزتي ... سنرى »
انتظرت رنده يوم عيدها على أحر من الجمر لتنعم فيه بمصافحة الفنان الكبير الذي عرفته من خلال الحانه وما قرأت عنه وسمعت . دقت الساعة السادسة يوم الحفلة وسمير لم يحضر ؛ فشعرت رنده بمضاضة الخيبة ، خيبة الأمل الكبير الذي غذته بروحها وامانيها طيلة ايام اربعة ، وبدت امام المدعوين تائهة عن الوجود ، حائرة ... لم يطل قلق رنده اذ أنبأها تصفيق حاد بدخول الفنان سمير . وجهت نظرها نحو المدخل فرأت سيدة انيقة يتبعها شاب نحيل ، على وجهه مسحة الهيبة والوقار ، فتقدمت والدة رنده نحوهما مرحبة وقد أمسكت يد ابنتها وقدمتها
للفنان بهذه العبارات :
- .. اقدم لك يا استاذ ، ابنتي رنده ، احدى المعجبات بفنك السامي ، وهي تجيد عزف بعض مقطوعاتك على ما اظن »
فأجاب سمير وهو يصافحها :
- « لي الشرف ان اتعرف بك يا آنسة ، ولي طلب ارجو ان يلقى منك القبول ، وهو ان أسمعك تعزفين على الكمان هذا المساء . »
- « بكل سرور ، ولكن ، بعد ذهاب المدعوين اذا سمحت . »
هكذا اجابت رنده وهي تنظر الى الارض خشية ان تقع عينها على محياه النضر ، ثم سلمت على زوجته وعادت الى صديقاتها مضطربة . ولم الاضطراب ؟ لانها رأت الآن رجل احلامها ، فحق لها ان تشعر بالرعشة والاضطراب !! وكذلك سمير ... انه لم يهتز لرؤية رنده فحسب ، بل افتتن بجمالها الطاهر ، ببريق عينيها المحلبتين ، ولم ينسحب في المساء المتأخر الا بعد ان اسمعهم بعض معزوفاته وبعد ان سمع قطعة « بلا أمل » وقد عزفتها له الموسيقية الناشئة بمهارة . لقد ادهشه عزفها المنسجم الرخيم ، وكان اعجابه كبيراً بقوة سمعها لانها استطاعت ان تذكر مقاطع معزوفة طويلة مثل : « بلا أمل » . قدم سمير تهانيه للفتاة وذويها قبل مبارحة الدار ، واقترح عليهم ان يأتي بنفسه مرتين كل اسبوع لاعطائها عشرة دروس تكميلية فقط . قبلت الاسرة الاقتراح شاكرة ، واعتبرته شرفاً كبيراً لها . اما « رنده » ، فقد عزمت على مضاعفة جهودها الموسيقية لتحوز على اعجاب سمير ورضاه ، ولم تكن تعلم انها « الروح الشقيقة » التي طالما نشدها وتغنى بها ...
هيمنت على جو الدروس مودة صادقة جذبت الفنانين وأنستهما نفسيهما ومرور الساعات ، وقد اضطرت والدة رنده ، اكثر من مرة ، ان تدخل عليهما
لتنبئها ان الساعة قد تجاوزت الواحدة وان وقت الغداء قد حان !
وفي ذات صباح ، جاء سمير كالمعتاد يفيض حيوية ونشاطاً ، وبعد انتهاء الدرس السابع الذي حاول ان يجعله قصيراً أخذ بيد تلميذته الساذجة ولثمها بشوق وحنان . حارت رنده في امرها ، بل ذعرت من هذه البادرة المفاجئة من استاذها ، غير انه بدأ يصور لها لواعجه ، ثم قال بصوت متهدج :
- « يا معبودتي رنده ! لا استطيع ان أخفي عنك امر حبي العظيم فقد استسلمت له ! يا عروس شعري ومعين وحيي والهامي ، منذ اليوم الذي عرفتك فيه شعرت باني بُدّلت عقلاً وروحاً ، بأني خلقت خلقاً جديداً ، فكيف يمكنني التفكير بان دروسنا ستنتهي قريباً ؟ » .
شدهت الفتاة وظلت رابضة في مكانها بلا حراك ، ثم سحبت يدها من يدي سمير بهدوء وبعد ان ابتعدت قليلاً قالت وقد أصابت صوتها بحة التأثر :
- « ماذا تقول يا استاذ ؟ وبعد ذلك ؟ انك بعيد عن الحقيقة في عالم الأوهام ! ألا تفكر بأطفالك ؟ هل نسيت زوجتك ؟ اني احبك واقدرك كثيراً ولكن ... بغير المعنى الذي تفهمه » .
ثم قالت بلهجة أقل عنف :
- « أظن انك تعب هذا الصباح ، فأرجو ان تذهب لتستريح والى يوم الاربعاء اذا شئت . »
- « سآتي الاربعاء من كل بد وارجو ان لا تكوني هكذا قاسية معي . فكري قليلاً يا رنده وسامحني اذا تسرعت بهذا الاعتراف . لم يكن بوسعي ان ألزم الصمت وانا الى جانبك في حين ان شيئاً ثقيلاً كان يضغط على صدري . سامحني والى اللقاء القريب . »
تبعت رنده استاذها حتى الباب
( البقية على الصفحة ٤٥ )
١٧