لم اعجب من رسالتك مع ان فيها ما يدعو الى العجب . لأن الآراء التي تبدينها ليست في الواقع الا ايضاحاً لفكرة صوفية تشاؤمية ، كانت في الماضي كامنة وراء المبادئ التقدمية العقلية . او قل بان هناك قطبين في تفكيرك يتجاذبانه ابداً وانت بينهما تأرجحين .
قد يكون بعض الحق بجانبك ولكن بعض الحق ليس كله وفي نظري ان الجزء يشوه الكل عوضاً عن ان يمثله .
يصعب علي يا صديقتي ان اخوض معك في مناقشات لم اعد العدة لها . ولكن ثقي انك مهما تفننت باقناعي فلن تقنعيني بان العمل المنتج اجتماعياً يفقد المرأة ما تسميه حقيقتها ، أي سر انوثتها ووحي جمالها .
او تعتقدين بان المرأة ليست الا صورة يتأملها المتأملون حتى اذا ما ملوها اودعوها زوايا النسيان ؟ او صنماً يعبده العابدون حتى اذا ما قضى حاجاتهم حطموه ! سرعان ما تذبل الغادة التي تقبع في بيتها تعبد جمالها كل النهار لأنها تنطوي على انانيتها والأنانية موت ، وتنهار تحت ثقل كبريائها والكبرياء فناء . او ليست دفقة من دفقات الحياة والحياة تحقق وعمل ؟ اذن عليها ان تكون طبيعة العاملين في حقل الحياة الاكبر ليستنفق جمالها كل يوم عن شكل جديد . او ليست موجة من موجات الينبوع الأسمى ؟ اذن عليها ان تتفتح نشاطاً وفعالية لا ان تغور في طيات العدم .
قد يضل الانسان السبيل فيقلب نظام الاشياء وقد يخطئ في اختيار العمل الملائم لطبيعة المرأة فيضعها في الموضع المعد للرجل ، ولكن الخطأ لا يعيب الانسان فالحياة تجارب واغلاط والتي سارت في طريقها قوّمت المعوج واصلحت الفاسد ، والعار على من يبقى وراء القافلة .
لا يقدر الانسان ان يحكم على مدى النجاح الذي حققه او سيحققه وهو يسعى لكسب حريته وتحقيق رسالته ، وكل
كلمة تقال في هذا الموضوع تعرض لمناقشات لا تنتهي ، ولكن كل النظريات تنهار اذ يجتاز الانسان خط المشاحنات ليرمي بنفسه في المعركة الكبرى ، معركة الحياة والتحرر .
واذا كان العمل هو القانون الاول والاخير فلماذا تشذ المرأة عنه ؟ واذا كانت الحرية تكتسب - اقول الحرية لا الفوضى - فلماذا لا تناضل المرأة في سبيل تحررها وتحقيق امكانياتها ؟

