ادفيك: من الصعب جداً، معرفة تاريخ نشوء هذا النزاع بين الحماة والكنة. فهو حتماً بعيد العهد. انما الذي سنعنى بمعالجته هو تحليل الاسباب الاولية لهذا النزاع، واقتراح بعض السبل لتسويته.. فعلى أيٍّ من الاثنين برأيك، يقع اكبر اللوم في نشوء هذا النزاع يا آنسة نهلة مروة، على الحماة ام على الكنة؟
نهلة: انا اميل الى الاعتقاد بان الحماة هي الملامة في معظم حالات الخلاف، فالكنّة اصغر سناً وانقى سريرة، ويستبعد ان تكون البادئة في اغاظة حماتها.
ـ صدقت، وقد كان رأيي فيما مضى، متفقاً ورأيك في هذا الموضوع، غير ان الوضع تبدل الآن بعدما اصبحت امّاً لطفلين، ولم يعد بوسعي ان اجور في حكمي على الام، واقسو عليها ولو في الظن، فموقفها من كنتها ليس بالموقف السهل ـ هي التي ربّت ابنها بدموع عينيها وحرست خطواته خطوة خطوة، فليس سهلاً البتة ان تراه يفلت من بين ذراعيها مرة واحدة، لتحتضنه امرأة ثانية غربية ـ هذا في رأيي اهم سبب لهذا النزاع.
ـ صحيح، اناهذه سنة الله في خلقه، تترك المرأة اباها وامها وتتبع زوجها. فالناس، جميع الناس من عهد آدم وحواء، سائرون على هذه الدرب...
ـ انا يا عزيزتي اميل الى الاعتقاد بان في استطاعة الكنة او الزوجة، ان تتلافى معظم الخلاف الذي ينشأ بينها وبين حماتها، وذلك بقليل من التسامح ورحابة الصدر، اعتباراً منها بانها هي الرابحة، اما ربحت الرجل واخذته كله لنفسها؟ والأم هي الخاسرة. اما خسرت ابنها، بالرغم من التضحيات الكبيرة وسهر الليالي في سبيل تربيته؟ ونحن اذ نأخذ جميع هذه الامور بنظر الاعتبار، لا يسعنا الا ان نرأف بحال الأم، ونعيرها عطفنا الكلي، قبل الخوض في الموضوع.
ـ معك حق، وما عنيت قط الا تقدير موقف الوالدات واحترامهن. ولكن الا ترين معي بان معظم امهاتنا يملن الى الاستبداد بزوجات اولادهن، وفرض كلمتهن فرضاً. فالحماة في بلادنا، قلما يعجبها عمل من اعمال كنتها، من طبخ، الى ادارة بيت وما شاكل ذلك، وهي من اجل هذا لا تنفك تنتقدها حتى تفقد الكنة كل لذة في العمل، ويموت فيها الشوق والرغبة لتعلم اشياء جديدة. اليس خيراً للحياة، لضمان السلام في البيت ان نحصر اهتمامها في امورها الخاصة، وان لا تسمع كنتها من العبارات غير ما يشير الى الرضى والتشجيع؟
ـ هي نظرية جميلة، اوافق عليها كل الموافقة ولكنها صعبة التنفيذ. فالحماة لا تقدر، بعقليتها القديمة المتحجرة، ان تقف معنا على صعيد واحد، وتحلل
شعورها وانفعالاتها النفسية تحليلاً منطقياً.. فهي على ثقة بنفسها وبامكانياتها ونجاحها في اختيارها الى حدٍّ بعيد، وهي عندما تتناول كنتها بالنقد والاصلاح، انما ترمي لان تجعل منها نموذجاً لشخصها. فهي ترى ان كل عمل من اعمال كنتها الذي لا تتفق طريقته وطريقتها الخاصة هو خطأ يجب ان يصحح، وعندما تحاول تصحيحه يحدث الاصطدام المعهود.
ـ اجل! يحدث الاصطدام، ذلك لان للكنة رأياً ثانياً هو في اعتقادها يمتاز على رأي حماتها القديم الذي لا يأتلف وروح هذا العصر المتجددة. وهي من اجل ذلك لا تتنازل بسهولة عن رأيها، واعتقد ان لها الحق في ان تستقل برأيها، خاصة فيما يتعلق بادارة بيتها؟
ـ بلى، لها كل الحق وملء الحرية، ان تستقل في بيتها وفي ادارة شؤونه. وهي واصلة الى هذه النتيجة عاجلاً ام آجلاً، فما المانع من وصولها بشيءٍ من السياسة والاناة وبشيءٍ من الحكمة؟ والمحافظة على محبة حماتها لها؟ الا تعلمين يا عزيزتي، ان حبَّ الرجل لزوجته يتضاعف، متى احس انها تداري امه وتأخذها بالرفق ورحابة الصدر متجاشية كل خصام ونفور؟ فالشباب اوسع صدراً من العجائز، لان الامل يكون ما يزال رحباً في افق حياتهم، فماذا يضرهم اذا هم تنازلوا عن بعض حقوقهم الثانوية بمحبة، دون ان يحدثوا ضجة؟ ان ابتسامة واحدة،


