... ومرمرت حجارتها بفمي ، حجراً حجراً فأبقي فيها حجر ،
والا ومسّحت جبهتي ألف مرة فيه .
وما هناك صخرة ، الا وحفرت قلبي في عروقها .
وما غاب قمر ، في ضيعتنا في تلك السنين ، الا من هناك .
ولا طلع قمر ، الا من بيتها الغربي، الذي كان فوق الدرب ..
وكرّ بعدي ، فتيان القرية ، يلوحون للصبايا في الشبابيك
ويطلعون قمراً ، ويغيبون قمراً .
وراحوا يحفرون قلوبهم في الصخور ...
ولكنّ الحلوة ، حلوتي التي كان القمر يطلع من بيتها ، لم
تلوّح في الناس لغيري ، ولم يلوّح قلبي لغيرها على تلك الدرب .....
وكرّت الحكايات البريئة ، في درب القمر ، في ضيعتنا .
وكأنّ « العين » الشحيحة ، تحت الدرب ، أصبحت في
ضيعتنا نهراً ، فالجرار الحمر على الاكتاف ، في جيئة ورواح ،
في ضوء القمر ...
وكأن العين لا تفور الا في القمر ويبس الماء فيها في الشمس .
ولم تعد جرة ، في ما اذكر ، وتذكر الجرار الحمر ، الا
مليئه بالماء المطيّب ، وفي فمها وردة حمراء ، او قضيب زنبق او
خصلة من حبق .
من أين يجيء الطيب ، الى تلك الجرار الصغيرة الحمراء ؟ ..
من اين يجيء الماء ، الى تلك العين الشحيحة النزّازة . ؟
حكاية لا يعرفها الا « العين » والوادي البيضاء ، والدرب
التي فوق العين والوادي .. ونحن ....
وماذا بعد ، عن درب القمر في ضيعتنا ؟
لو رأيتها أنت ، لعرفت كيف يعيش القمر عندنا فيها ، من
اول الليل الى آخر الليل .
من الجبل الى البحر ... مدة واحدة من الالوان والظلال .
يمرمر الصخر رخاماً ...
ويكسّر التراب ذهباً ...التراب الابيض في وادينا ، يتفتت ذهباً ، او فضة بلون
الذهب ...
من يعرف الفضة التي بلون الذهب ؟
لو رأيتها انت ... لعرفت كيف تتواكب الظلال والاضواء
والالوان والعتمات ، والاشباح ، في الانحناءات ، من سلسال
الى سلسال ، من قمة الى قمة من وهدة الى وهدة ... تنشلح هنا
وتنلمّ هناك ، وكأن اصابع الجن تلمسها وترخيها .....
« درب القمر » ... حفيت شفاه القمر فيها ...
وحفيت حجارتها من خطاه ، كأن لم يعرف في الدروب
غيرها ، في نزهة الليل التي اعتادها ....
مررت فيها أمس ، في الليل ، فاذا هي مرآة اخرى تنطفئ ،
لا ينبت غير الحجارة ترابها .
ترابها كله تراب .
والبيت الذي فوقها ، سكّرت شبابيكه .
راح اهله ولم يعودوا حتى اليوم .
مرآة اخرى تنطفئ في ضيعتي .
والحلوة التي لوّحت لي مرة من تحت الشبابيك ، خبأت
فساتينها الزهرية في خزانتها ..
وهذا القمر ، ما يزال يطلع في الدرب ، كئيباً مروراً ...
في ارض جديبة .. وحده ...
الى اين راح الحب من ضيعتنا ؟...
كان في نفسي أن اعمّر للقمر والنجوم ، وللحب وحبيبي
هناك ، قصراً من عروق الرخام النقي ...
احمل اليه مساكب الورد من بلاد فارس ، وعرائش الياسمين
من الجزر البعيدة .
واطياب الهند وبلاد العرب ومجامر البخور وحبات المسك
واعيش هناك مع القمر والنجوم والحب وحبيبي ..٢٧