كانت المرأة في العصور البعيدة ، حين كان الانسان يسكن الكهوف والغابات ، تلد بسهولة تامة كالحيوانات دون مساعدة احد احياناً ، وكانت الطبيعة قاسية عليها فاذا ماتت ابان المخاض لم يكن ليعطف عليها احد ، او يهتم بها جار او قريب ، لذا نجد الرجل في ذلك الزمن الفطري كثير النساء والاولاد .وحين ارتقى الانسان وعرف التاريخ ودونت المدنيات القديمة ، بدأ الناس ينظرون للحامل نظرة اجلال واكرام ، فاذا اختبأ مجرم في بيتها لم يكن ليقبض عليه ويقاد للقتل طالما هو في حمايتها ، واذا تعدي عليها واصيبت بأذى فكانت نصيب المعتدي القتل ، حتى انها لم تكن لتعاقب اذا اقترفت جريمة او ذنباً الا بعد ولادتها .ومعظم سجلات القدماء تحتوي على وصايا للاعتناء بالحامل ، فكتب الصين مثلاً تنهي الحامل عن المآكل الغليظة والرياضة المجهدة ، وفي التوراة والتلمود نصائح هامة للحامل ، وهذا دليل قديم على اهمية الحمل وحفظ النسل .وكانت نساء القبائل الولودات يولّدن الزوجات الصغيرات في بدء التاريخ الانساني ، ويحسنّ هذه الوظيفة ، ويركّبن بعض الادوية . اما في الهند فكان كهنة الهندوس يجمعون النساء ويعلمونهن كيفية الاعتناء بالحامل في اثناء الحمل وبعده كي يؤدّين هذه الرسالة فيما بعد .وقد ذكرت القابلات في ايام الاسرائيليين حين خروجهم من مصر فقد جاء في خروج اصحاح ١ - ١٥ - ١٩ ان ملك مصر قال لقابلتي اليهود شفرة وفوعة ( حينما تولّدان العبرانيات وتنظرانهن على الكراسي ، ان كان ابناًفاقتلاه ، وان كان بنتاً فتحيا الخ .. ) ومن قوله هذا يستدل على ان كرسي الولادة كانت معروفة في ذلك العهد ، اذ كانت المرأة سابقاً تلد على الارض او في حضن زوجها او امرأة اخرى كما جاء في تكوين اصحاح ٣ حين خاطبت راحيل يعقوب ( ادخل عليها فتلد على ركبتي وارزق انا ايضاً منها بنين الخ .. )وقد درس ابقراط ابو الطب ( ٤٠٠ ق.م ) علم التوليد والّف فيه ونشر بواسطة تلامذته كل ما عرف عن هذا الفن في ذلك العصر ، وفصل بين الطب والدين فأصبح اخراج الجنين ممكناً اذا تعسرت ولادته . وقد شدّد ابقراط في تدريسه على العناية بالحامل خوفاً من الاسقاط ، وحذّر من تجرّع المسهلات القوية والجماع المفرط ، غير ان تعاليم « سسروتا » في الهند ، في القرن الثاني ق.م . كانت اوضح من تعاليم ابقراط واكثر اسهاباً ، فقد سنّ قوانين خاصة لطعام الحامل وشرابها ولباسها ورياضتها ، ونصح ان تكون بيئتها مبهجة لها ولطفلها ، ولم يجز للرجل والمرأة الزواج من عائلة تتوارث السل والصرع ، وهذا ينطبق على احدث النظريات الوراثية اليوم .ويذكر التاريخ ان اول من استخرج بالآلة الجنين الميت من رحم امه هم المصريون ، وقد اجرى كهنتهم ايضاً العملية القيصرية ولم يكونوا كسواهم من رجال الدين في تلك العصور ، الذين كانوا يدعون اذا استعصت ولادة امرأة فيصلون في دارها ويهمهمون لطرد الارواح الشريرةالتي تمنع الجنين بزعمهم عن الخروج من رحم أمه .وبعد زمن ابقراط لم يكن ليعوّل على التشريح ، فاقتبست كثير من النساء التوليد بالمراس ، ولكنهن لم يكن لينجحن أثناء توليدهن للحوامل الا اذا كان رأس الجنين منحدراً الى عنق الرحم ، اما في بقية اوضاع الجنين فكانت الحامل تموت بين ايديهن ، ذلك لقلة المعلومات والوسائل التي تبين اوضاع الجنين الشاذة .وكانت الحامل في ذلك العهد تلد وهي جالسة على كرسي خاص تنقله القابلة من منزل الى آخر ، ولم يكن ليدعى الطبيب اذ ذاك الا حين موت الجنين او قتله لانقاذ حياة الأم . وكانت عمليات التوليد ترتقي كلما ارتقى تشريح اعضاء المرأة . وان « سورانوس » كان اول من علّم وشرح كيفية تغيير وضعية الجنين في الرحم ليولد حياً ، وقد افادت فكرته هذه ، غير انه كان يقطع الجنين كسواه من الاطباء اذا لم يستطع تغيير وضعه . وسورانوس هو ايضاً اول من لاحظ ان جلد بطن الحامل يتشقق ، فوصف لذلك الشمع وزيت الزيتون ، وقد اشار ايضاً بالاغتسال بالماء الفاتر معتقداً انه يساعد على تمدد العضلات البطنية ساعة الوضع .ومن دواعي الفخر ان نذكر ان كثيراً من نساء العرب اشتهرن بالطب في الجاهلية وبعدها ، وان الكثير من اطباء العرب اشتهروا ايضاً بطب النساء ،٢٨