

كان لصياد كلب يقظ يكل اليه الذهاب، صبيحة كل يوم الى احد الافران القريبة من منزله كي يبتاع له رغيفين فقط. وكان يضع له ثمنها في سلة صغيرة معلقة بعنقه، وعند عودته اليه يطعمه رغيفاً منها ويبقي الآخر له.
فاتفق ذات يوم انه بينما كان ذلك الحيوان اليقظ عائداً بالرغيفين حسب عادته اذ طرق سمعه هرير مهموس، من مكان يناوح طريقه، فتقدم بالحال منه فرأى هناك كلبة رابضة ترضع جراءها وتلحسهن بلسانها، فأخذته عليهن جميعاً الشفقة والحنان. ولما شمّت امهن رائحة الخبز نهضت عن اطفالها واقتربت من الكلب وهي تبصبص بذنبها، فدنا حالاً هذا منها ومكنها من تناول احد الرغيفين ثم تابع طريقه حتى وصل الى معلمه وهو مطرق خوفاً من نقمته عليه. ولما لم يجد معلمه في السلة سوى رغيف واحد شرع بعنّفه ويشد اذنيه وهو لا يحرك ساكناً.
وفي صباح اليوم التالي توجه الى الفرن وعند رجوعه بالرغيفين عرج على مكان تلك الكلبة الجائعة، ابنة جنسه، وسهّل لها التهام رغيف كالعادة وعند وصوله الى البيت ضربه سيده ضرباً موجعاً وهو مطرق لا يبدي مقاومة البتة. على ان سيده في المرة الثالثة اراد ان يعلم حق العلم
كيف يذهب بذلك الرغيف فكمن له في ناحية من طريقه، الى ان شاهده قد عرج على مكان تلك الكلبة وأجرِيَتها، فلحق به مسرعاً ولما رأى ما رأى من حمية ومروءة كلبه وغيرته على ابناء جلدته، سُرَّ منه غاية السرور واخذ يربت على رأسه وكل جسمه. ومن ذاك الوقت كان يبعث الى الفران بثمن ثلاثة ارغفة فيأخذ هو رغيفاً وكلبه رغيفاً وصديقة كلبه وأجرِيَتها الرغيف الثالث. الى ان بلغت اشدَّها فعاد الى شراء رغيفين فقط. فسبحان المولى مقسّم الارزاق الذي لا ينسى احداً من مخلوقاته على الاطلاق.
