
كان لملك سيام ابنتان اسماهما الليل والنهار. ثم أصبح عنده اثنتان غيرهما فحوّل اسمي السابقتين وأطلق على الأربعة أسماء الفصول. إلا أن العناية الإلهية رأت أن تزفّه بثلاث أخريات فاضطر ثانية لتغيير إسمائهن بأيام الأسبوع السبعة... ثم بعد أن ولدت له الثامنة وتلتها التاسعة وقع في حيرة لم تنجه منها سوى أشهر السنة عندما خطرت له، فدعيت الأميرات الصغيرات هكذا: جانيوري، فبروري .... وإلى سبتمبر - طبعاً في اللغة السيامية -. وقد قرر الملك بعد تردد كثير وأسى عميق «لأنه كان يحب الملكة» أن يقطع رأس جلالتها فيما إذا جاوزت السلسلة الاثنتي عشرة بنتاً. ولم يكن هذا طبعاً ما سيروق جلالتها! ... على أن سبحانه وتعالى أراد دوام سعادتها وهنائها فكانت الأميرة سبتمبر هي الأخيرة من نوعها ... حيث أن الملكة أنجبت بعدها سلسلة من البنين - هي الأخرى ليست بالقصيرة - أطلق عليهم أسماء من الحروف الأبجدية حيث يتسع المجال فلا يدعو لقلق جلالتها.
أما صاحبات السمو الأميرات فقد تأثرت أخلاقهن وتلونت طباعهن بالتغير المتتابع في إسمائهن وعلى الأخص الكبيرات منهن اللواتي تعرضن لأكثر التغيير والتلون ما عدا سبتمبر التي عرفت بسبتمبر ذات طبيعة رقيقة ساحرة جذابة «إلا حينما تطلق عليها إخوانها مختلف الأوصاف غيرةً ونكاية!»
وفي أحد الأيام جاء عيد ميلاد الملكوالدهن.. وكانت من عادات جلالته في هذه المناسبة أن يهب المنح ويوزع العطايا لأهاليه بدلاً من أن تقدم له. «على عكس ما نتبعه عندنا من التقاليد» والغريب أن ملك السيام أعجب بهذه العادة وكثيراً ما تمنى لو أنه ولد مرات عديدة ليكون له أكثر من عيد واحد ولكن هكذا حكمت الطبيعة فلا سبيل إلى بلوغ التمني!!
ففي هذا اليوم عينه وجد الملك نفسه خالياً من الأشياء القيّمة لتقديم الهبات بعد أن نفذت لديه كل الألقاب الملكية ومعظم هدايا عرسه والمنح التي قدمها له أثرياء البلاد عندما سُلّم زمام الحكم... وخلا قصره حتى من تيجانه التي كانت قد نبت عن ذوق ذلك العصر...! أما والحالة هذه فقد اضطر لإهداء كل من أميراته التسع ببغاءً أخضر جميلاً في قفص من الذهب الخالص. فأصبحت هذه المخلوقات موضع غرام وافتخار الأميرات وقد أخذن يلقنها الكلام ساعة كل يوم «وذلك لأنهن كجلالة والدهن يتبعن أنظمة خاصة محددة في معيشتهن...» حتى أصبح بعد الجهد كل ببغاء تردد هذه الجملة «حفظ الله الملك» بالسيامية - وهذا صعب جداً - وبسبع لغاتشرقية أخرى.
وفي صبيحة يوم من الأيام ذهبت الأميرة الصغرى سبتمبر لتحية ببغائها كالعادة فإذا بها تجده ملقى على أرض القفص الذهبي وقد مات!!
ولا حاجة لوصف ما حزّ في قلبها من الأسى وما انسكب من فيض دمعها المخلص... فلا سلت ولا تعزت عن مصاب طائرها الحبيب.. لا.. ولا ما حاولته خادمات الشرف العشر من التفريج عنها ومؤاساتها.. فضقن بها ذرعاً واحترن بأمرها فذهبن يخبرن والدتها الملكة.. غير أن جلالتها رأت أن ابنتها اغرقت بالسخف فحكمت عليها بالسجن في غرفتها ومنعت عنها العشاء... وهكذا قدّر لها تلك الليلة!
وبينما كانت تبكي طائرها بحرارة من حين لآخر، وقد أثقل الهم فؤادها وعض الجوع أحشائها إذ بعصفور صغير يحط في غرفتها...! فكفت عن البكاء وأخرجت اصبعها الصغير - الذي كانت تمتصه - من فمها وأصغت بانتباه:.. لقد بدأ العصفور يغني!! إنه ينشدها روعة البحيرة في حديقة الملك - بلحن عذب جميل - ويخبرها عن أشجار السرو اليانعة حول تلك٤٦