البحيرة وهي تتطلع الى اشباحها الراقصة المنعكسة على صفحة الماء الهادئة .. ! انه يصف لها كيف تلتوي الاسماك جذلة بين ظلال الاغصان المشلوحة على سطح المياه .. فسحرت وطربت ونسيت سبغها وقالت له مندهشة :
- حقاً ان انشودتك كانت رائعة !
فانحنى أمامها العصفور في غاية من اللطف والتهذيب والرشاقة . ولا عجب ، انه فنان !! والفنانون بالطبع مهذبون ، ويسرهم ان يعجب الناس بمهارتهم . ثم سألها :
أتودين ان اكون لك بديلاً من بيغائك ... اعرف اني لا اشبه شكله الظريف الزاهر ... ولكني من جهة اخرى صاحب صوت جميل .
فما كان من الاميرة سبتمبر سوى ان صفقت مرحاً وحبوراً ، فابتهج العصفور الصغير ووقف على حافة سريرها واخذ يغرد لها حتى غفت في سبات عميق .
وعندما استيقظت في اليوم التالي بادرها العصفور بتجربة حلوة وكان لا يزال واقفاً يرقبها ولما حان وقت طعام الافطار قدمته اليها وصيفات الشرف فتقدم العصفور والتقط الارز من راحتي الاميرة واغتسل في ماء قدحها الصغير ثم شرب منه ، فاشتمزت منه الوصيفات واعتبرنه خارجاً عن الذوق والآداب المعهودة : اذ انه لا يُشرب من الماء الذي يستعمل للاستجمام ! ولكن الاميرة سبتمبر فيلسوفة بطبعها اذ انها اعتبرت ذلك ما يروق مزاج الفنان .
ثم راح العصفور يسمعهن من فنه الموسيقى العذب الرائع فادهش الوصيفات
بالرغم منهن واخذ بجمام قلوبهن واما الاميرة فكانت فخورة به وسعيدة .. وارادت ان تعرّف عصفورها الى شقيقتها فاخذته على سبابة يدها تتبعها وصيفاتها العشر ، فابتدأت بالاميرة جانبوري فقابروري .. حتى الاميرة اوغست - تبعاً للتقاليد الصحيحة - حيث غنى العصفور لكل منهن اغنية جديدة بينما كانت بيغاواتهن لا تنطق الا بهذه الجملة : « الله يحفظ الملك » . ولما رآه الملك والملكة اعجب به ، واعربت الملكة لجلالته عن ضجرها وسأمها من الجملة المكررة : « الله يحفظ الملك » غير انه اجابها بان العاطفة بذاتها تعجبه ، ولا يزعجه التكرار . تذكره كثيراً بوزرائه الذين يكررون الفكرة عينها بسبع طرق مختلفة كما تردد البيغاء هذه الجملة بسبع لغات واخيراً دارت الاميرة سبتمبر بعصفورها
اروقة القصر كلها وهي تغني كالبلبل ، والعصفور الصغير يطير حولها ويغرد كالعندليب الذي لم يكن الا هو .
اما الاميرات فقد دهمت الغيرة قلوبهن - وفي الواقع فالبغاوات كن بليدات - فذهبن الى سبتمبر واصطففن حولها في دائرة ثم جلسن يخفين اقدامهن « كما هي العادة المتبعة عند الاميرات السياميات في مثل هذه المناسبات » .. ثم اخبرنها بأسفهن العميق لموت بيغائها وبعزمهن على ابتياع بيغاء اصفر واخضر لها ما ادخرنه من مصروفاتهن ، ولكن سبتمبر ردت تقدمتهن بجفاء ، لم يكن لطيفاً منها تماماً ، قائلة :
- اشكر كن للاشيء . لدي عصفوري يغني لي احلى الاغاني ولا ادري بحق السماء ماذا سأعمل ببيغاء اخضر واصفر .

