عدم المجيء مطلقاً الليلة . لان والدامرأتي أقام حفلة غناء ولشد ما اغراني بالبقاء الا اني خفت اثارة هواجسك فاتيت .
كان هذا القول في مثل هذا الوقت وهذه الظروف التي عرفناها - كان لسوء حظ المسكين . فما شعرت سبتمبر الا وفؤادها يخفق بسرعة بين ضلوعها منذراً محذراً وعصف بها الخوف فعزمت على ألا تخاطر بعد هذا . مدت يدها وقبضت على العصفور الصغير الذي لم يساوره قطشك ، انها تلاطفه كعادتها وهو يحب حرارة يدها اللطيفة ويعلم انها تتلذذ باحساس خفقات قلبه السريعة في فجوة راحتيها . ولكم كانت دهشته عظيمة عندما حملته الى القفص وبغمضة عين احالته سجيناً ، حتى انه لم يدر ماذا يعمل واخيراً لما استعاد انفاسه وقفز على الساق الخزفية سألها :
- ما هذا المزاح ؟!
اجابته - ليس هناك من مزاح انما اردت حمايتك من قطط والدتي التي تحوم الليلة هنا .
قال - لا ادري لم تحفظ الملكة كل هذه القطط !
- انها من نوع ممتاز ذات عيون زرقاء واذنابها مرقطة وهي تخص العائلة المالكة ان كنت تفهم ما اعنيه .
- تماماً . ولكن لم لم تخبريني بذلك قبل وضعي هنا . لا اظن انه المكان الذي احب .
قالت - ما كنت لاغمض جفني الليلة لو لم اتأكد من سلامتك .
- لا بأس هذه المرة طالما ستخرجيني
في الصباح .
ثم تناول طعامه وبدأ يغرد .. ولكنه كان يحس بغصة تمنعه من الاستمرار في انشاده وقال :
- لا ادري ما اعتراني ! فانا لا اميل للغناء الليلة .
- نم اذن قالت له الاميرة .
وعلى اثرها ألوى برأسه تحت جناحيه ومضى في اغفاءة هادئة تبعته فيها سبتمبر كذلك . لكنها استيقظت في الصباح الباكر على صوت العصفور وهو يناديها بأعلى صوته :
- إنهضي .. إنهضي وافتحي لي باب القفص . اريد ان اطير والندى لا يزال عالقاً على الازهار والطل مرطباً الارض هيا قومي !
- انك بخير هنا في هذا القفص الجميل الذي صنعه امهر عامل في مملكة ابي ... ولشدة سرور والدي به قطع رأس ذلك العامل كي لا يعمل غيره .
- اخرجيني . اخرجيني ..
ولكنها قالت له - ستطعمك وصيفاتي شرقي ثلاث مرات كل يوم وستكون خالي البال من كل شيء ولك ان تغني ما ما يحلو لك ملء فؤادك .
اخرجيني . لا اريد .
وحاول عبثاً ان يمر من خلال قضبان القفص وان يفتح الباب بجناحيه .
ولما أتت الاميرات ورأينه سررت لعمل سبتمبر بنصيحتهن وقلن لها انه سيعتاد على قفصه وينسى خلال ايام قلائل انه كان حراً في يوم من الايام . وكان العصفور ينصت لهن صامتاً ساكناً وما
ان خرجن حتى عاد لتوسلاته وطلب اليها ان تفتح له . فاجابته وقد نفد صبرها .
- لا تكن احمق فانا ما وضعتك في القفص الا لاني مغرمة بك جداً واعلم منك بما هو خير لك . غرد لي قليلاً وسأمنحك قطعة من السكر الاسمر . لكن العصفور الصغير وقف في زاوية القفص يحدق في السماء الزرقاء ولم يغن مقطعاً واحداً طيلة النهار . فعاتبته سبتمبر قائلة :
- ما فائدة التلكؤ .. لم لا تغني وتنسى همومك ؟
- كيف لي ان اغني ! لا بد ان ارى الاشجار والبحيرة والارز الاخضر ينمو في الحقول .
- اذا كان ذلك ما تريد فسأخرج بك للنزهة . وسآخذك كل يوم لاني احبك واريد اسعادك . وحملت القفص وسارت به نحو البحيرة التي تنبت حولها اشجار السرو ووقفت به على حافة الحقل يمتد الى ما لا نهاية ويرتد عنه البصر وهو حسير .. قال لها وفي نغمته أنّة :
- ليس هذا بنفس الشيء ، فالحقول والبحيرة والاشجار لا تظهر جميلة من وراء قضبان قفص !
واقلقها انه أضرب عن الطعام ذلك

