تلك محنة روعت العالم العربي ..
مي مريضة .
لم يكن احد يدري ، غير افراد قلائل عرفوا ان «مي» مريضة في اعصابها وانها في لبنان ، وانها في مستشفى الحازمية الرهيب . كيف دخلت «مي» الى المستشفى ، ولماذا ادخلت ؟
لم يكن احد يدري ...
ولم يسأل عنها احد من اصحابها ...
لبنان الذي انزلها قرة عينيه .
لبنان الذي اقام على اسمها الحفلات .
لبنان وطنها الحبيب ، تنزله «مي» ، او تنزل في ابشع مستشفياته ولا يعرف بها احد في لبنان ولا يسأل عنها احد من لبنان .
وكانت «مي» في محنتها الكبرى تطوف بها المأساة العنيفة الصامتة ، كانا تطوف في قبر مظلم ... لا بل كانت «مي» قبراً مظلماً تدب فيه الاشباح .
محنة قاسية مرت بها كبيرة الادبيات ، شرست فيها نفسها واكفهر ضميرها فاذا الناس كلهم في ضميرها عقارب ...
وعرف اصدقاؤها اخيراً ، عرفوا كل شيء ...
لن تقضي «مي» بين جدران سجنها تشدها اصابع الالم القاسية ..
وحاربوا من اجلها حربا لا لين فيها ولاهوادة ، فخرجت من قبرها الى الحياة .
واننا في هذه الصفحات نروي خبر تلك المأساة كما عرفناها ، وكما يقصها علينا صديق خبير رافق فصول تلك المأساة
المدماة وعمل كثيراً من اجل النابغة اللبنانية الكبيرة .
قال :
لم يكن يخطر في بالي ، اني سأرافق تلك الفترة الحافلة من حياة اديبة العرب الكبيرة مي زياده . ولم اكن لاتوقع ان اكون شاهداً على فصول تلك المأساة العنيفة ، وانا لا اعرف هذه المرأة ، ولا رأيت لها وجهاً في حياتي .
بلى كنت قد سمعت باسمها ، وكنت اعرف ان نسيبي الدكتور يعقوب صروف يهتم بها اهتماماً جدياً ...
ولكن الحياة تقدر لنا غير ما تقدر لانفسنا وتعمل في الخفاء عملها الصامت العميق فترتبط مصائر الوف من الناس ، بارادة الحياة ، على غير علم وعن غير قصد .
وهكذا كان ، فقد ربطت الحياة بيني وبين مي ، في ساعة لم اكن اتوقعها ، وظروف لم تكن تخطر لي ببال .
في ذات يوم جاءني صديق لي يقص عليّ خبر انتقالها من العصفورية الى مستشفى الدكتور نقولا ريز في رأس بيروت .
وقص علي هذا الصديق ان «مي» لا تقابل احداً ولا يجوز لها ان تقابل احداً ، وفي المستشفى يقولون انها ترفض ان تأكل . وقد جاء امين الريحاني وجرجي باز لمقابلتها فرفضت ... آه لو تسمع حديثها ، لو تسمع شكواها .
- ومن اين عرفت ذلك ؟
- من الممرضة الآنسة استير واكيم ، هي التي قصت عليّ حكايتها .
وخطر لي ان اعمل لمقابلة الادبية الكبيرة فسألته :
- هل يمكن ان اقابلها ؟
- مستحيل !
ولكنني لم ابأس ، حاولت ان اراها ، لا اعرف ما الذي دفعني الى ذلك ؛ ذهبت الى مستشفى الدكتور ريز .. طلبت الممرضة هناك ، قالت مستحيل .
مستحيل ! ماذا افعل يا رب .
فجأة خطرت في رأسي فكرة ... كنت اعرف ان علاقتها مع الدكتور يعقوب صروف كانت قوية ، والدكتور صروف قربي .
قلت للممرضة ، نسيب للدكتور صروف ، يريد ان يقابلها . اسأليها .
عادت الممرضة تقول ادخل . ادخل ، انت اول انسان تقابله .
... هذه امرأة يقولون عنها انها مجنونة ، واستير واكيم تقول لا ، انما


