
هي امرأة تعبانة ، متألمة يائسة ، من كل شيء ...
كان رأسي يدور بالافكار وانا اتخطى عتبة غرفتها ، ماذا اقول ؟ ماذا افعل ؟ .
دخلت .. واذا بي امام امرأة إبيض شعرها ، وقد ربطته بشريطة سوداء . سلمت فلم ترد... وراحت تحدق بالسقف ..
احسست ان كل عظامي تتفكك وان العرق يتصبب من جسمي ..
هل هذه امرأة مجنونة ؟
هل هذه امرأة صحيحة العقل ؟ اسئلة تدور في رأسي وتدوي في قلبي .. ووقفت ضائعاً .
لن اخرج .
وبعد فترة طويلة ، تطلعت الي وقالت :
« في سنة ١٩٢٩ في شهر يناير ، كان عندي حفلة شاي ، في منزلي في القاهرة ، وكان من جملة المدعوين ، يعقوب صروف ، وكان الحديث يدور حول مناجاة الارواح .. وكان الدكتور صروف لا يصدق شيئاً من ذلك ، ولا يتجرأ ان يكذبه قال لي : اعدك يا مي ، اذا كانت مناجاة الارواح حقيقة ، وسبقتك الى العالم الآخر ، وكنت في محنة ، فان روحي تعاونك في محنتك » .
وسكتت مي وحدقت بي وقالت :
« هل انت ، روح يعقوب صروف : » ترى ، ؟ .
في تلك الساعة ، احسست ان القضاء قد ربط بيني وبين مصير هذه المرأة التاعسة فجلست ، وراحت مي تحدثني ،
فشت صدرها لاول مرة .
حدثتني عن اقاربها ، بعضهم يريدها على قيد الحياة ليستثمرها وبعضهم يريدها ميتة ليرثها .
وجاءوني في مصر ، وانا بعد في حزني على امي يقولون ..
سافري يا مي الى لبنان . في لبنان اهلك ، حرام ان تبقي هنا وحدك . وحملت نفسي الى لبنان ، على ان اجد في لبنان مسنداً لرأسي التعبان وقلبي الممزق ، وعزاء من احزاني ...
وفي لبنان ، لقيت الغصص مرة ، وفي لبنان حملت الى العصفورية على اني مجنونة ، وبكلوني بالجاكيت ... وفي العصفورية ذقت الموت مرات .
وبقيت ١١ شهراً . الى ان نقلت ولا ادري كيف ، الى هنا .
سألتها : لماذا لا تقابلين اصحابك يا مي ؟
قالت : في خلال ١١ شهراً قضيتها في العذاب لم أر لاصحابي وجهاً ، لماذا لم يسألوا عني ؟ لماذا لم يسأل عني امين الريحاني مثلاً ؟ .
وتكررت زياراتي « لمي » وكأن اصحابها قد عرفوا انها عند ربيز... وكان الريحاني قد تمكن بعد زيارات متلاحقة ان يراها .
وعزمنا على اخراجها. واخرجناها من المستشفى. فقد كان الدكتور ربيز يرفض ان يخرجها بدون اشارة من اقاربها وقد عاونها البوليس على نيل حريتها وانتقلت مي الى رأس بيروت .
ورحنا نتردد على البيت نسهر عندها ونتمتع باحاديثها الطلية .
وكانت حفلة الجامعة الاميركية الكبرى ، حين القت محاضرتها وخرجت مي بعد ذلك الى الحياة الحرة .

