... تلك ليلة ...
كأنها انفصلت عن الايام والليالي والساعات .
فلا بعد ولا قبل .
وانما ليلة علقت وحدها ، بين الارض والسماء ... تدور على نفسها .
■
— ١ —
الجبين الاسمر في زجاج النافذة ، كانه قطعة من الزجاج مجلّدة .
وعينا الصبية ، تتيهان في الليل ، واشجار النخيل تصفر صفيراً مأتمياً .
... ولم ترد الصبية عينها عن الليل ، وطفحت اهدابها بالدموع .
وفي الظلمة الممتدة على الارض وفي السماء ، في دموعها ، ترامت لها مقبرة الغرباء ، من وراء اشجار النخيل ، مشبّحة الاطياف . وفيها القبور ، تنقلص وتطول ... قبور من رخام ، وقبور ممسوحة في الارض مسحاً .
واذا قبر من بينها ، جديد ، ينهض من التراب ، ويمشي في الليل ... دبيباً دبيباً ...
ويظل القبر يدب ، يحمل في راسه صليباً من حجر ، وفي الصليب ، راسا رجل وامرأة ... ويقترب القبر من الصبية الملصق جبينها البارد بالزجاج البارد ، ويضمها اليه ضمة عنيفة ، فتشهق الصبية ، ويغمى عليها ...
في تلك الليلة كانت « مي » قد دفنت امها ، فوق تراب ابيها ...
■
— ٢ —
مشت الصبية في صباح اليوم التالي في غرف المنزل القاهري ، تلتمس الأحباء في غرفهم الدافئة فلم تجد إلا خيال القبر الجديد ، يطل عليها من وراء الجدران والنوافذ ... وجناحا خفاش اسود كبير يضربان جبينها وقلبها ويختبطان في بيتها .
وكادت تنهدّ وتنهار .
لماذا يلازمها ظل هذا القبر المخيف ؟
الموت . ولكنها لم تكن تخشاه قبل اليوم .
وكانت تقدّر انها لا بد فاقدة ابويها في ساعة من الزمن ؟
اذن لماذا ؟ .
لم تكن تدري ...
وظلت تروح وتجيء كأنها شبح يدب دبيباً . والظلمة العميقة تلفها لفاً .
وفجأة استنار ذهنها ...
ذاك الذي وراء البحر .
ذاك الذي يعيش في الالوان والانغام ، في المحبة والحنان ، الا يمكن ان يكون لها ، اماً واباً واخاً وابناً ... ؟
لمَ لا ؟ ذاك يفهمها ، وفي فهمه لها حلاوة لم تعرفها في غيره من الرجال ... في قلبه عطرٌ لم تعرفه في اجواء الرجال ! .
شذاه يملأ غرفتها وكتابها وقلمها . جبهته العالية تنحني على اوراقها في الليل ..
اهدابه السوداء الطويلة ، تنعس على كتابها ، وتلامس في بعض الليالي اهداب عينها . !!
لمَ لا ...
سيكون لها كل شيء بعد ذلك ، وستجيبه ...
ستجيبه في مرضه ، وستكون له الام والاخت والزوجة ...
