واشرق قلبها ... لم لا ؟؟ .
واكبت الفتاة في حزنها العميق تكتب لذلك الغائب ،
الذي خلف البحار تنعي له امها ، آخر خيال حبيب من
اهلها ، هوّم على حياتها . وكانت تبكي ..
ومن خلال دموعها ، عاودتها الرؤيا المظلمة ...
في الضباب . والامواج ، من آخر البحر ، تراءى
لها قبر آخر ، يمشي على الامواج وفي الضباب .. ويقترب
ويظل يقترب ، فيصل حدود القاهرة ..
ها هو في طريقه في الاحياء ..
ها هو يدخل فناء الدار ...
ها هو في غرفتها ....
ها هو ....
بعد ايام جاءها من وراء البحر نعي ذاك الذي حسبته
أباً وأخاً وأماً واختاً وزوجاً ...
■
ماذا فعلتِ يا مي .. قال لها الفراغ المخيف الذي
بقي لها ، يلفها ..
كانا وحدهما ، « هي » و« الفراغ » .
انتشلتك من رحم امك لاعتصر اثمار شبابك واهز
شجرة كهولتك ، حتى لا يبقى فيك ورقة او ثمرة ...
ملأتُ بيتك بالمجد والشهرة ، يجيئانك من كل صوب .
تركت الرجال من شعراء ، ومن ادباء .. على
رجليك يا « مي » كرات تتدحرج في فناء الدار ...
عقدت على راسك مخملاً وحريراً ، وعقدت على قلبك
شريطاً اسود ...
فتحتُ لك مقاصير الذهب ، وابواب القلوب ،
فنفذت اليها يا « مي » وانسيتك قلبك ، فاغلقته على
الفراغ الذي هو آنا ...
الهيتك بالحبر والورق ، فسوّدت الالوف من الصفحات
المشرقة ، وسوّدت قلبك ، فما هتفت فيه غير الوحشة ،
التي هي اختي ..
انا الفراغ والوحشة اختي ...
ماذا تعنين انت يا « مي » للتاريخ ؟
ما عساه يقول عنك التاريخ يا « مي » ..؟ ما يقول !؟
شجرة مثقلة بالخيرات تساقطت في الرياح !!
انا مسه عطر اغتنى الطيب في قلبه فلم يشم قلب ..!!
قلب من ذهب ، من صفاء الذهب تحول إلى عطاء لا
يُباع ولا يُشرى .
انوثة في اجمل الاونونات ، شوّهها الكبرياء ..
من انت الآن يا مي ..؟
وتر مقطوع لا يرن فيه نغم ...
امرأة ساذجة مسكينة ضيعت حياتها في الفراغ .
تقولين :
وهذه الشعلة التي اطلقتها في العرب ، من اطلق
مثلها، غيري في نساء العرب ، حملت الغرب إلى شواطئ بلادي.
من غيري في النساء فعل هذا ؟؟
تقولين : انا وحدي قمة في العرب ..
في عصري صارت المرأة قمة .
لا ، يا مي ، انت تطعمين قلبك من جراح قلبك ...
اعظم من كل ما فعلت يا مي حياتك ، لقد
ضيّعت حياتك ..
اعظم من كل ما انشدت يا مي ، نشيد على سرير
طفل ، لم تنشديه ، وكم تشهيت ان تنشديه ...
اعظم من كل ما فعلت يا مي ؛ وما مسحت من
جراح في الناس ، عرق ، تمسحينه عن جبين حبيب ،
كم اشتهيت ان تفعلي ذلك يا مي .. ولم تفعلي .
لقد ضاعت حياتك في كبرياء الشهرة .
وها آنا وانت وحدنا ...
لم يبق لك غيري يا « مي » . انا ابوك وانا امك
وانا اخوك وانا زوجك ... سنعيش معاً الى الابد ...
وحيثما ترحلين في الارض ، لن يكون معك غيري
انا الفراغ .....
ولن تكتبي بعد اليوم شيئاً عظيما يا مي ....
غير حياتك معي ...
■
... وفي اروع المآسي ، في افسى ما تحز به
سكين في لحم ! .
في كل ما في الانسان ، من وجع ، ووحشة ،
وظلمة . في كل ما في الانسان من شراسة وعبقرية
ولهيب ورماد .
كتبت هذه المرأة العظيمة مأساة حياتها .
بيروت في ١٩ اكتوبر ١٩٤٩
