.. يجدوها امل مشرق عريق ترفع له الرأس مزهوة في غير غرور ، وتسير في ركابها دنيا من الاماني ضاحكة طبعة فتمهد لها الطريق غير وجلة او هابة ، ثم ترنو الى المستقبل العتيد بعينين طغى على جمالها اشعاع من الذكاء اخاذ في ثقة واي ثقة .
تلك هي « مي » في اصغر صورة خاطفة لها وفي مستهل عهدها بالحياة الادبية ، ولكن هل لمي عهد يبتدىء به اديها او ينتهي حتى ابدأ منه او اقف عند حد له .
لقد استهوى ميّا الادب منذ ان كانت حدثة لا تفهم من الادب إلا انه صورة من الجمال المطلق الذي تحسه في كل شيء . بل هي التي استهوته بما حباها الله من رقة في الحساسية وابداع في التعبير وسلامة في التفكير ، وبما فطرت عليه من سلاسة رائعة في الاستهلال والحبك والتخلص يرافق هذا كله جمال في الخلق والخُلق .
اجل ، لقد استهوت مي الادب فحنى لها هامته صاغراً مستسلماً وارادها على ان تكون - شأن المحب العتي - اول ادبية من نوعها في الشرق العربي سخية النفس سخية القلم ، فكانت حتى اذا اخلصت له جهد طاقتها بل فوق هذه الطاقة ، اذ هي صريعة هذا الاخلاص الذي وسمها بميسم النبوغ ، في الخلود .
قلت ان « ميّا » قد احبت الادب صغيرة وكأنما قد اخذ عليها هذا الحب تفكيرها فأخذت تعب منه ولا ترتوي ، حتى اذا ما راحت تحت تأثير سكرتها النبيلة البكر تسطر ما تجد فيه تنفيثاً عن نفسها الزاخرة بما تنوء به تلك النفس من خير وجمال وما تمتلي به من فضائل اذا بديوانها ( زهرات حلم ) باللغة الفرنسية
لتكتب بالعربية ولكنها لم تنظم الشعر فيها بل نثرته نثر فنان بارع فجاء اسلوبها اكثر شاعرية من الشعر وارق جرساً منه واسمى معنى ، متخيرة له في ذلك اروع المطالع محتفلة به كل الاحتفال . على ان هذا جميعه ما كان ليؤثر شيئاً على فكرتها الجامعة تلك الفكرة الطاغية الممتلئة عصبية وانفعالا بل كان يزيدها روعة ويزيد القارئ انجذاباً اليها وثقة بها .
وهكذا اخذ اسلوبها الرفيع يتصدر مكانه بين الاساليب المعروفة ذات الطابع الخاص .
لقد سطع ادب مي اول ما سطع تحت سماء لبنان وطنها الاول فذاع اسمها الادبي ذيوعاً جعل نخبة ممتازة من حملوا لواء نهضة الادب في لبنان يلتفون حولها ويحتفون بها حتى انهم عندما ارادوا تكريم الفتاة اللبنانية كرموها في شخص مي ، فكانت حفلة ( الكوخ الاخضر ) وكان لمي فيه حديث وللناس في مي احاديث .
ونزحت مي بعد ذلك الى مصر وهناك تعرفت الى رعيل كبير من فطاحل الادباء والشعراء المحدثين ، كولي الدين يكن ، وطه حسين ، وجميل ، واسماعيل صبري ، وعبد الرازق ، وخليل مطران ، والعقاد ومنصور فهمي ، وشبلي شميل ، ويعقوب صروف ، وسواهم كثير .
كانوا يجتمعون في نديها من كل يوم ثلاثاء ، وكأنما تربطهم وحده عائلية على اختلاف مشاربهم وتنوع اتجاهاتهم فيتباحثون في شؤون الادب والفكر وما يتصل بها ويتناظرون ويروون الاشعار ويتندرون بالمليح الشائق ومي بين هذا كله تدير الاحاديث بلباقة المرأة الرفيعة التهذيب الواسعة الثقافة الملمة بأساليب الضيافة اللبنانية الاصلية ، وكأنما اشعاع لطيف من سحر الانوثة الناعم يغمر ذلك الجو الشعري فلا بدع اذا ران الالهام على تلك الافئدة التي ما يكاد اصحابها
مي المرأة الأديبة
قد ظهر فتداولته الايدي واعجبت به ايا اعجاب .
ولست في معرض التحدث عن اثارها لاعرض هذا الكتب عرضاً وافيا - فانا انما اتحدث بلمحة عجلى عن المرأة الادبية في مي - عن القلب النابض الحي المليء بشتى افانين المحبة والسلام والذكاء الجياش بضروب من الاحاسيس النبيلة والحيوية والحياء .
واني اذ اتحدث عن مي المرأة اراني جد فخورة في ازجاء هذا الحديث الشجي الى القراء ، فمي الانثى هي غير جورج صند الانثى . ان جورج صند من طراز مبتذل ينبو عنه الخلق النسوي السليم فما يمسه - ان فعل - الا مستهجناً او وجلاً اما مي فمن طراز آخر ، طراز مثالي فيه الشيء الكثير من تحفظ المرأة وانفتها وفيه الاكثر من وفائها لطبيعتها وفاء كان من حمله ما اودى بها الى النهاية المحتومة عاجلاً .
ما كاد يظهر ديوان مي باللغة الفرنسية ويعجب به من قرأه من قادة النهضة الادبية في العالم العربي حتى غيرت نهجها وبدأت تكتب بالعربية خير ما تكون كاتبة ، وما ادري اهو الحنين للغتها الاصلية جعلها تعود اليها عود الالفان المستحر ام هي سهولة الفرنسية التي تعلمتها في عنطورة اكثر ما تعلمت لغتها اغرتها على الكتابة بها ، ام ان ثمة من ضنّ بالادب الحي ان يخلد بغير لغة صاحبته فأوحى اليها ان تفي لشرقيتها الحقة التي تحبها الحب كله ، والتي ملأت الدنيا - من بعد - اعتزازاً بها ، ففعلت ، ما ادري الا انها عادت
