كما أن مي غنية في كتاباتها فهي غنية أيضاً في شخصياتها. فلها ثلاث شخصيات أدبية –
أولاً: مي الشاعرة في اللغة الفرنسية: أما في اللغة العربية فنثرها شعر. وقد افتتحت هذا الطور من حياتها الأدبية بترجمة « ابتسامات ودموع » عن الألمانية. وفي أسلوبها الشعري والنثري دقة شعور واعتدال في الخيال. ولها في الأفرنسية قصائد عدة. أما في العربية فلم تطرق باب الوزن غير أن نثرها لم ينقصه من أن يكون شعراً سوى قافيته ووزنه، فقد كان شعرها مصبوباً في قالب نثري. وأديبتنا قرأت الشعر العربي وكان لها عدة آراء فيه.
ثانياً: مي الكاتبة الاجتماعية: أبرزت عدة كتب عالجت فيها شتى المواضيع
الاجتماعية فأصلحت مساوىء المجتمع ورفعت مستواه واكتسبت بذلك شهرة ومجداً. ترجمت ثلاث روايات مختلفات عن ثلاث لغات أوروبية. رواية « رجوع الموجة » عن الفرنسية. « والحب في العذاب » عن الإنكليزية، « وابتسامات ودموع » عن الألمانية. لها ثلاثة عشر كتاباً فضلاً عن المقالات الجمة التي نشرت في أمهات المجلات والصحف المختلفة كالهلال والأهرام والزهور والمحروسة والمقتطف. وقد كان إقبال الجماهير على مطالعة هذه الكتب وارتشاف المعلومات القيمة المكنونة فيها، إقبال الظمآن على الماء النقي، لأن أسلوبها شيق وسبك عباراتها متين.
ثالثاً: مي الخطيبة: قالت جوليا دمشقية « لم أر في حياتي خطيباً اشرأبت إليه الأعناق وشخصت إليه الأحداق كمي، فكانت وهي تخطب كأن أجفان سامعيها مشدودة إليها بالأهداب وما ذلك إلا لأنه اجتمع في الخطيبة أهم مقومات الخطابة وهي: »
١ : سلامة الذوق في انتقاء الموضوع مما يجعل الكلام مطابقاً لمقتضى الحال.
٢ : معلوماتها وسعة اطلاعها.
٣ : نفسها العالي – تتكلم بوضوح بدون أي لحن في الكلام.
٤ : اشاراتها وعيناها. اشاراتها تأتي عفواً وفي عينيها قوة سحرية. وهذا ما ساعدها على ارتقاء سلم النجاح لأن الإشارات والعيون تعدان ثلث تأثير الخطاب.
٥ : صوتها – صوتها رخيم معتدل الارتفاع، وله قوة عجيبة في إثارة العواطف.
٦ : قوة التصوير فيها: قوة التصوير في الخطيب بمثابة الريش للطائر. ومي كانت مشهورة بسمو خيالها وهذا ما ساعدها على امتلاك ربة البلاغة.
٧ : مغنطسيتها الشخصية: فقد خص الله مياً بهذه الهبة فأصبحت تملك مجامع القلوب إبان خطبتها، وقد صح فيها قول الشاعر:
كأنما أوجد الرحمن صورتها
من مغنطيس لها الأبصار تجتذب
٨ : إخلاصها: لا تتكلم سوى بوحي ضميرها ولا تعني إلا ما تقوله.
هذه الأسباب كانت درجات السلم ارتفعت عليه مي إلى أن حازت هذه المنزلة من الشهرة.
