
مي - خلع الموت عنا الهيولى ، ورجعنا من ارض الموجعين الى دائرة الفيض الالهي .
جبران - ولن نعود الى الدنيا . فلقد بلغنا فيها الانسان الاله ، وتمت الرسالة وهل كانت اوجاعنا في الارض غير شوق الى هذا الرجوع ؟
مي - من النخيل الظليل ، عن شاطئ النيل ، هتفت اليك : اني غريبة في بلاد الغرباء ، ونفحة من الفياض الأنور في ظلمة التراب . وناديتك « لاحصي لك الاثقال التي قوّست كتفي » « وكنت ابكي امامك وانت لا تدري . . » وكنت أقول : « بي احتياج الى الالم ، أليس بين الناس من يتقن تعذيبي . . » ولكن قلبي ظل منفرداً ، وبقيت « انا وحدي . . » وجعلت ابشر في الناس اننا اسرى اسمائنا « نعرف بها كما يعرف المساجين بارقامهم » فيجيبون : وماذا في الغيب ؟ وماذا بعد الخروج من السجن ؟ « من اين والى اين ؟ » « من اين والى اين ؟ »
الى ان كان نزع يسمونه هناك موتاً ونسميه هنا بقاءً . فبصرتُ بيد الروح الاعظم « تلقي بي . . في فضاء اللانهاية ، ويحملني جناحان قويان الى حيث اجد الموت حدثاً عرضياً ، والفناء خيالاً زائلاً » . اذ ذاك رأيت كياني « ينمو ويتعالى ، ويعظم فينتشق هواء الحياة السائدة في كل مكان . . » « فما نحن غير جزء من الخليقة الشاملة » « نخلد الحياة بغنائنا وهي تغنينا بخلودها . »
. . .
لا اعرف في آداب العرب النثرية كتاباً تغمره الوحشة والغربة مثل ما تغمران كتاب ظلمات واشعة . فانك تتناوله مقالا مقالا وسطراً سطراً وتخرج منها جميعاً وبين يديك دخان ، وامام عينيك وجه ساهم ، يطالعك هزيلاً ، قد ايبسته الوحدة ، وأمضه الانفراد ، واضناه شوق الى المجهول . هي نفوس الغرباء في الدنيا ، ينقطع الحنان بينها وبين اهل الارض ، فتألف الوحدة ، ولا يلدها إلاها من جميع حالات الوجود . تلدها وحدتها ، ويلدها الالم الذي تلقاه في وحدتها ، وتأبى من غلافها خروجاً . وتطيب لها غربتها بين البشر . فتحيا لهيفة ترمق الكون ، وقد اوهنت بطيوب الحزن العميق .
هذي بوادر الشذوذ الذي سماه الناس « شذوذاً » في مي ، وسميته انا « اغتراباً » . ولا يعنيني أمر النهاية التي صارت اليها
وانما ازعم ان ما كان فيها ليس غير امتداد طبيعي ، وتتمة ضرورية لشعورها بفراغ البقاء الأرضي . وكان ان تطور هذا الشعور المريض الى جو عارض ، واستحال الجو العارض دواماً ، فنشأت قطيعة بين حياة المجتمع وبينها . وافضت القطيعة الى الالم ، والالم الى اليأس ، واليأس الى هذا الصمت الطويل الذي ارتاحت اليه قبيل النهاية . ويطيب للموجعين ان يتبنوا لانفسهم ابراجاً من عاج ، يستكينون اليها ، ولا ينحدرون الى حياة البشر غير لمحات . وهذه اللمحات التي كانت تعود بمي الى عادي الحياة هي عين اللمع الخاطفة التي يخرج فيها الملهوم من الضباب الى النور ، من الغموض الى الوضوح ، من ظلمة الارض وقبر الدنيا ، الى ضياء السماء الواضح ورحب الرب . في هذه اللمحات عينها التي عرفها دستيفسكي قبيل ان توافيه غيبوبته .
وكانت مي ايضاً من ذوي « الابراج »