
«مي» «مي» في ذكرياتي... ماذا اقول عن هذه الذكريات... برهة من الزمن عشتها بكل اعصابي...
كان ذلك في عشية من العشايا، وانا وراء مكتبي هنا في المكشوف، فاذا بامين الريحاني يدخل علي وهو مكفهر يرتجف من الغضب.
ما بك يا امين، سألته.
فجلس الامين الكبير وقال... مي..
مي ...
- ما بها مي يا امين؟
- مسكينة «مي»... نتركها كلنا في محنتها لم يكتب عنها احد كلمة..
وحدثني امين الريحاني في تلك العشية حديث «مي» المفجع...
ومن يومها حملت المكشوف حملتها المعروفة واقمنا الارض واقعدناها، حتى خرجت اديبة العرب الكبيرة من سجنها الى الحياة. وزرتها مع الريحاني في بيتها في راس بيروت، وبدت امامنا مرحبة، وكانت فيما اذكر في ثياب سوداء، وشعر ابيض.. ومشت نحونا باناقة وعياقة وعلى فمها خيال ابتسامة.
ولما قدمني اليها امين الريحاني، شدت
على يدي مرحبة وحدقت في وجهي ولم تنطق بكلمة. لن انسى ذلك الوجه الذي يعبر عن الف شيء وشيء، ولا تينك العينين المنطويتين على شتى المعاني... ولا تلك النبرات الساحرة في صوتها حينما بدأت تحدثنا عن الاداب... حدقت اليها ملياً، فرأيت انها كانت تجتاز ازمة عنيفة ازمة متأتية ولا شك من الخيبة المريرة التي نتجت عن المعاملة التي عوملت بها.
وكانت امرأة صحيحة بكل معنى الكلمة..
...
وفي سنة ١٩٣٩ رأيتها في مصر، وكانت مقيمة في شقة ارضية متواضعة، ولكنها انيقة، مؤلفة من غرفتين تطبخ لنفسها وتقوم بخدمة نفسها.. وكانت طبيعية جداً..
دعتني الى الغداء عندها، واكلت من طعامها الذي طبخته بيدها، وبقيت عندها ساعات وكانت تقول لي..
حدثني عن لبنان.. عن الريحاني... وتحدثنا طويلاً...
وكان ذلك آخر لقاء لي معها...
... حينما رأيتها لاول مرة، رأيت فيها كثيراً من الفن والجاذبية.
جلست اليها اصغي لحديثها عن نفسها، كانت نفسها تفيض بالالام التي قاستها في مصر وفي لبنان.
وصدقتها من اعماق نفسي وانا اصغي لها، وآمنت ان هذه المرأة كانت مظلومة وزرتها في الفريكة، وكانت ظلال
