
في شهر نيسان من السنة ١٩٢٧ قابلت مي في مصر وكانت تلك آخر مقابلاتي لها قبل مرضها الاخير . كنت يومئذ موفداً للاشتراك في حفلة تكريم شوقي فتلطفت مي ودعتني الى سهرة من سهراتها المعروفة
حيث التقيت بنخبة من اعلام الادب . والحق يقال ان مي كانت واسطة العقد في تلك السهرة الادبية ولن انسى ما شعرت به من اعجاب بطلاوة حديثها وصفاء تفكيرها وحسن ضيافتها .
وتمر الايام فاذا هي مريضة في لبنان . ولشد ما كانت دهشتي لما سمعت انها في مستشفى الامراض العقلية تكتنفها غمامة كثيفة من الاقاويل والاشاعات . والقي في روعنا ان رؤيتها لا تتاح الا لانسبائها واولي امرها فلم نحاول زيارتها بل لبثنا شهراً بعد شهر ننتظر شفاءها والرجوع الى سالف عهدها .
وخرجت من المستشفى واتيح لها
السكن في منزل خاص وكنت ممن سمحت لهم بزيارتها . فلما دخلت غرفتها وتقدمت للسلام عليها لم تنبس ببنت شفة ولكن عينيها كانتا مغرورقتين بالدموع . ثم اشارت اليّ بالجلوس فجلست بقربها واخذنا باطراف الحديث ولم يكن حديثها يخلو من مرارة شعورها بما اصابها من ارهاق وسوء معاملة .
وسمعتها بعد ذلك تخطب في الجامعة الاميركية وتسحر السامعين ببلاغة كلامها ثم زرتها في منزل امين الريحاني بالفريكة وكانت على احسن حال . وما كنت ادري انها كانت تودع لبنان الوداع الاخير وان تلك الشعلة التي سطعت هنا في الشرق العربي ستنطفىء عما قليل على ضفاف النيل .

