الدكتور منصور فهمي
( ما هي أجمل ذكرياتك عن مي ،
وما آخر رؤيتك لها وعهدكم بها ؟
فأجابني : لعل أبقى آثار مي في نفسي أنها كانت تحدّثني عن بعض خطراتي حديث الفاهم لها المدرك مراميها ومغازيها وكانت تصارحني بإعجابها بتلك الخطرات وكانت هذه المصارحة بالإعجاب تتكرر كلما لقيتها ، مما دلني على ذوقها الفني واتجاهها الفكري وكنت أرتاح إلى ما تبديه من إعجاب لا ظفراً بالثناء أو طرباً للإطراء ولكن لشيء أسمى من ذلك قيمة وأبعد مرمى ، لأن هذا الإعجاب الذي كنت أرى فيه صدقه وإخلاصه وبعده عن زخرف القول وزور الرياء كان يدل على الأقل على أننا توافقنا في المعاني التي نكتب فيها والمذاهب التي نذهب إليها .
لقد كانت مي صادقة في ثنائها على أسلوبي وكتابتي وكنت أعرف فيها هذا الصدق وأتبينه ، وأحسّه في كل كلمة تقولها لي ، أو عبارة تكتبها إليّ ، فقد كتبت إليّ بما ينم على هذا في إحدى رسائلها الخاصة .
آخر ذكرياتي عنها أنها زارتني في دار الكتب بعد عودتها الأخيرة من لبنان وكان في صحبتها أميرة لبنانية فاضلة وأخذنا بإطراف الأحاديث بيننا وذهبنا في القول مذاهب شتى إلى أن جرّ الحديث - وهو ذو شجون - إلى شعوري في فقد ولدي . وكنت أشعر في عرض الحديث أن ميّاً كانت تشاطرني مخلصة هذا الإحساس العميق . وكأنها كانت أرسلتها الأقدار في هذه الساعة
لتخفف الوجد الذي أجد حيناً أثيرت ذكرى ولدي .
ثم أخذت تتجه في كلامها اتجاهات هي إلى الفلسفة أدنى منها إلى العاطفة ، وهي إلى الحيرة في فهم أحكام القضاء والقدر أقرب منها إلى التسليم بالواقع المحتوم ، والقضاء المبرم .
وكانت مي في الشام في عزلة قاسية ووحدة مضنية بعد أن اصطُلحت عليها الآلام والأحزان وحالفتها الوساوس والأوهام - مما يعرف القراء الأفاضل نبأه في حينه - وكنت أنا أزور الشام في ذلك الحين ، فرغبت في لقائها، ولكنها كانت في عزلتها لا تلقى أحداً، ولا تقابل إنساناً وحدّثني أمين الريحاني بعض الحديث عنها ، وأخبرني أنها كانت قريبة منه في الفريكة .
وأود هنا وأنا في معرض الحديث عن ذكرى مي أن أقرن ذكراها في عزلتها بلقائي لأمين الريحاني الذي ترك في نفسي أثراً طيباً .
ولقد مات الريحاني وسار إلى الغاية التي يسير إليها كل حي ، وماتت بعده مي كما تموت الزهرة بعد ما كانت متفتحة بالأمل ، فواحة بالشذى مخضلة بالطلل الندي .
ولو عاش الريحاني بعد مي ، وقدر له أن تستأنف خطواته إلى الأبدية بعد خطواتها فلعله كان أولى الناس بالحديث عنها ، وأجدرهم بأن يقص على الأدباء سيرة من جهاد مي وكفاحها في سبيل تحقيق مثلها العليا .

