صديقي العزيز الأستاذ الريحاني :
لدن وصولك إلى أول مرفأ شرقي بعد هذا الغياب في أمريكا ، أرحب بك باسمي وباسم الأدباء الذين يحبونك ، وباسم هذا الشرق الفخور بريحانه العبقريّ .
ولشد ما فرحت لهذا الخبر ، لأن وجودك في البلاد موسم فرح مي أنا التي انتظر عودتك هذه منذ شهور ستة ، منذ قدومي إلى مصر ، وكنت قد كتبت منذ ثلاثة أو أربعة أسابيع إلى عزيزنا البرت أسأله عنك وعن موعد مرورك بالمياه المصرية لأكون في استقبالك بالمرفأ ، فجاء الرد متأخراً جداً إذ نحن الآن في الساعة الثانية بعد الظهر ، وليس أمامي سوى قطار الساعة الثالثة . ومهما أسرعت في الاستعداد للسفر فلن أدركه ، وشؤوني موزعة ، والعمال في البيت يشتغلون ، فلا أستطيع أن أصرفهم فجأة . ولا أستطيع أن ألغي المواعيد والشؤون المنظمة لغد .
وأما قطار الساعة ٨ فيوصلني إلى
الإسكندرية حوالي منتصف الليل ، فأدور في تلك الساعة وحدي أبحث عن مكان في فندق . . بقي قطار الساعة الحادية عشرة الذي يقضي الليل بطوله في الطريق . فإذا سافرت به ضمنت لنفسي ليلة أرق فرأيتني غداً على غير ما يرضيك . سيما وإن صحتي على غير ما يرام في هذا الأسبوع حيث التعب الطويل المضني الذي أنفقته وأنفقه الآن على تنظيم هذا البيت ، والحر الذي لا يطاق ، قد أرهقاني وأضعفاني بحيث أضطر إلى أن أمكث في السرير ساعات كل يوم طلباً للراحة . من أجل كل ذلك أخشى أن أكون غداً فيما لو سافرت ، في حالة تزعجك ولا ترضيني ولا تنيلني الغاية من السرور بمشاهدتك والتحدث إليك والإصغاء إلى أخبارك من الكثير الذي أود أن أعرفه عن رحلتك ومحاضراتك .
وهكذا . أنت تمر على بعد ثلاث ساعات من المكان الذي أنا فيه مقيمة ، وأنا حرة . ومع ذلك ليس في مقدوري أن أسارع إلى ملاقاتك كما كنت أبغي تحقيقاً للأمنية التي عللت بها نفسي شهوراً طويلة . وهكذا الإنسان يقدر ، والظروف من ورائه تصرف .
إن روحي تستقبلك في المرفأ المصري ، على رصيف المياه المصرية ، تحت سماء مصر التي هي سماء الشرق الذي تحبه كثيراً . بل منذ الساعة ، قبل أن تقبل على الأرض المصرية ، وأنت بعد في عرض البحر ، تسير إليك
روحي خيالاً أثيرياً يطوف بك على سطح الباخرة ويناجيك بأعذب ما يتناجى به صديقان ، ويسدي إليك الشكر خالصاً لما أنعم به الآن من الحرية البشرية المألوفة ... فإن لك في هذا النجاح قسطاً باهراً وافراً . وإن روحي لتسربل بأبهى هيئاتها لتقف بجانبك على سطح الباخرة . ومن روحي ذلك اللآلاء الصافي على الأمواج ، جاعلاً الأمواه أمامك موكباً - موكب إكرام ومحبة وشكران - يسير بك إلى الشط المصري .
وإذا بدت في الجو سحابة عند الغروب فهي ترمز إلى أسفي لأني سأحرم غداً فرصة نادرة . ولست أشك في أنك مثلي آسف لأننا لم نجتمع ولو هذه الساعات الوجيزة لدن مرورك بالإسكندرية .
آسف مثلي ، سيما وأن صديقنا العزيز فليكس لن يكون في استقبالك فتشعر بغيابه وتحزن عليه ، أنت صاحب العواطف الرقيقة بقدر ما أنت صاحب الأفكار القديرة . وآهاً ، ما أشد تفجعي عليه وما أضعف يدي دون الكتابة عنه ! إني لا أقوى على كتابة خطاب تعزية إلى أسرته ، لأني أنا فقدته كما فقده أهله . أقول لك صدقاً ، إني مرضت منذ علمت بوفاته . وكنت قد صممت على السفر إلى الإسكندرية لأعزي أسرته وأودع جثمانه فخانتني القوة ، ولو ذهبت لمرضت بحيث أضطر إلى ملازمة السرير أسابيع ، هناك في الإسكندرية. وأنا ، دون سائر الناس ، لا يجوز لي أن أمرض ...


