ايتها العزيزة مي .
هذا آخر اسبوع الصوم . وانا في عزلتي صائم على الدوام - صائم عن المدينة وما فيها بما لا تزال تتوق اليه النفس - كساعة في النادي مثلاً والاخوان الادباء او سهرة في التياترو استمع رواية اجتماعية او هزيلة ، او جولة في دور الصور والرسوم الحديثة ، او عشاء وكأس خمر مع رفيقة نفهم الحياة . ولكني كنت في الاسبوع الذي مضى من اسعد الصائمين لانه قد زارني من زادني في المدينة زهداً بل انساني لذاتها كلها . وزائري في وحدتي هو الجليس الانيس الذي لا يمل ولا يتثاءب . واذا ما اشعلنا المصباح مساءً لنكمل حديث بعد الظهر وجاء الكرى بعد ساعة يتسلل الى جفني فلا اقاومه ولا انكر وجوده ، ولا اخجل اذا ارتخت الانامل مني فيقع الزائر الكريم في حجري وقد انحنى فوقه الرأس وطفت حوله الاحلام .
جاءني هذا الزائر يشكو بلغة الطيور والازهار اشياء كثيرة في الحياة وتحدث فيها يشكو حديثاً ولا سحر الطيور تغرد في الاشجار ، لذته لا تزال في العقول ولا تستحيل علقماً في القلوب . كيف لا وفي « العيون » سحر كل العيون ، ودمعة على المغرد الصامت تردد صدى التغريدة الخلدة و « كن سعيداً » هي السعادة بالذات ، و « اين وطني » هي اجمل من كل الاوطان - في هذه الايام . « والسهرات الراقصات » هي الذ والطف وابهج من كل سهرة راقصة .
يا مي - ولا ازعجك باكثر من ذلك رمزاً ومجازاً - قرأت « السهرات الراقصات » و « العيون » و « انت ايها الغريب » ثم قرأتها ، وعدت الى الصحائف فقرأت فيها « لوتي الراحل الباقي » « وشبل شميل الشاعر » « واسماعيل صبري » فادهشني فيك وانت في خدرك وفي قدس اقداسك شرقية لا تزالين ، ادهشني تلك الشخصية المزدوجة العجيبة
التي قلما تعرف يسراها ما تصنع يمينها فهي لا تسمح لقلبها في النقد بغير مقدار لحظة قربها - يجيء كالطفل فيبسم لها فتنعكس ابتسامته في فكر هو كالكوثر وثقافة - اشكرك على هذه اللفظة - هي كالموشور . ولا تسمح لعقلها في مفاوز الشوق ومروج الحب بغير نظرة تذكرها بما في الحياة لفلاسفتها ، وبما في الاداب لامرائها ، من ظلال ناعمة طيبة وادغال مزهرة منعشة . وانت مدركة السر في الاثنين ممتعة بالجمالين ونشكر الله انك كاتبة فلا تستأثرين بما تتمتعين . واشكر الله انك صديقتي فتذكرينني مع من
تذكرين . وهلا خصصتني بكلمة فيها شيء من اخبارك . قد ذكرتك مراراً في الدهناء وارسلت اليك منها بضع لاسلكيات واظنها جواباً على ما جاءني وانا في تلك القفار مرة منك . فلا اظنك تقولين وانت تشفقين على الاوهام ، ما فكرت مرة بك . وهلا تجسدت في لبنان في الايام المقبلة فتسر العين والاذن اضعاف سرور العقل والفؤاد .
حياك الله وعافاك وجعل لبنان في هذا الصيف مثواك . ١٩٢٤ صديقك

