اجابت تشرح في بساطة ومن غير ما تودد :
- لا ازور في الساعة المبكرة الا المرضى . والمرضى عندنا كثير في هذه الايام . والاطباء صارمون في اوامرهم ، فلا بد لي من تنفيذها شخصياً ، او الرقابة الدقيقة على تنفيذها لا تمكن من تقديم تقريري عن حالة المرضى جميعاً عند وصول الاطباء في الصباح . اما وانت في دور النقاهة من الحمى التي اصابتك على اثر الجرح ، فاي احد يستطيع ان يقوم لديك بالخدمة البسيطة .
- اذن ليت جرحي لم يندمل ! .
ولمس مكان الجرح من ذراعه اليمنى وقال :
- أأفتحه لتعاودني الحمى فاستحق العناية من جديد ؟ .
ابتسمت بذلك التحفظ الذي هو دستور حياة الراهبات وقالت :
- الحمد لله على سلامتك . ثم لدي في هذا الاسبوع مشاغل اخرى ، وبخاصة اليوم . فنحن نقوم بتنسيق الكنيسة والباسها حلل الزينة لتكون جميلة يوم غد عيد رأس السنة ، وسيغادر المستشفى اليوم اكثر الناقهين ، فينصرفون الى منازلهم ليقضوا الاعياد بين ذويهم . اما العمل في الكنيسة ، فيظل متتابعاً حتى اليوم السادس من يناير . وهو يوم عيد الغطاس . فهذا الاسبوع موسم الاعياد كما تعلم .
- انا ابقى هنا في الموسم كله لان عائلتي بعيدة ولا اصدقاء لي في القاهرة تقبلوني يا اختاه ؟ .
- حسناً تصنع بالبقاء هنا اياماً اخرى ، يا قبطان ، لان المعيشة في المستشفى اتم تنظيماً وتوقيتاً ووقاية منها في الخارج حيث قد تعرض صحتك
للانتكاس . وانت بعد لن تشعر بالضجر لاننا نعد لمرضانا حفلات صغيرة لطيفة يلهون فيها ويسرّون بغير ما غلو وارهاق .
الا تشرب الحليب ؟ .
- اشربه . اشربه .
واذ هم بتعديل جلوسه ، لم يتمالك من التأوه وارسال صيحة مفاجئة ، فاقصت الفنجان عنه قليلاً وسألت :
- اي شيء ؟ اتألم ؟ .
- الما لا يذكر ، كلما حركت ذراعي اليمنى بدون انتباه ، ساعة انسى انها جريح ، فلا احملها على الاستعداد للحركة بشيء من المداورة .
- هذا يزول مع الوقت . وهل نمت نوماً حسناً ؟ .
- حسناً جداً . انام كالطفل ، واستيقظ كالطفل ، وكالطفل اعيش نهاري انظر الى الحياة بعطف الناس عليه ، بدلا من ان يروا فيه دواماً ، القسوة والجفاء والتأهب للمهاجمة والايلام ، فيقابلوه بالمثل ، اليس كذلك ؟ .
- لكل منا واجبه يؤديه في امانة تحت رقابة العناية الالهية ، اية كانت النتيجة . اولا تشرب يا قبطان ؟ وبعدئذ تذهب الى الحديقة لرياضتك الصباحية ، فيتيسر للخدم ان ينظفوا غرفتك ويصلحوا سريرك . انظر الى هذا النهار ما اجمله ! لن تجد في غير مصر شمساً كهذه مشرقة في مثل هذا الفصل . كاننا في قلب الربيع ! اشرب ، واسرع في النهوض .
استوى جالساً في سريره ومد يده اليمنى يعاون يدها على ادناء الفنجان من شفتيه . وكانت يدها تتحرك ببطء وفقاً ليده المريضة . وعندما لمس الفنجان شفتيه لم يشرب هذه المرة ايضاً . ظل ناظراً الى وجهها المنحني عليه . ظل متأملاً
في جفنيها المسبلتين على حدقتين تخفيان اسرارهما . ظل ينظر صامتاً وبتأمل صامتاً . ثم زحزح يده وادار بها في تربث على معصم الراهبة ، واصبعاً بعد اصبع لمست اصابعه يدها كأنما هو يجرب عليها قوته . ولما شعر بان القوة لا تنقصه ، ضغط بحرارة على اليد التي لم تتحرك خوفاً من دلق الحليب ورفقاً بيده المريضة .
رعشة طفيفة دبّت في اهدابها المسبلة . ولكن وجهها ظل ساكناً مطمئن الملامح كأن شيئاً لم يحدث . وبصوت هادئ على عادته قالت :
- اشرب يا سيدي .
- ما اعذب العذوبة في وجهك يا اختاه ! أأنت اكتسبتها بممارسة الصبر في حياتك الرهبانية ، حياة الحرمان والزهد والتقشف والانخطاف الروحي ؟ ام هي نجمت عن تجاربك في حضور العمليات الجراحية وتعودك العطف على المرضى ومؤاساتهم ومخاطبتهم رجالا ونساء ، كباراً وصغاراً ، مثل ما يخاطب به الرضيع المحتاج الى العناية والمحبة ؟ ام هذه العذوبة منحة من الله لك ؟ .
- ليس لدى الانسان شيء الا وهو من منح الله ، يا قبطان . لقد باشروا التطواف اليومي بالمرضى في الساعة العاشرة ولا يطول حتى يجيء دورك فيوافوك الى الحديقة .
خرجت بخطوات لا وقع لها ، كأنما هي تحتذي خفاً من القطن . وما سارت في البهو قليلاً حتى ابصرت الجندي ، « مراسلة » الضابط ، يقبل عليها متجهاً الى الغرفة التي غادرتها .
صباح الخير ، يا اختاه . هل لي ان ادخل على قبطاني ؟ .

