- ماذا أنت حامل بيدك ؟ إن القبطان على أحسن حال . بيد أن تشديد الأطباء في وجوب احتفاظه بهدوء الأعصاب لم يتغير . وعلى ذلك خير ألا تقدم له هذه الرسائل التي تحمل له أخباراً مزعجة .
- خطابان لا غير ، يا إختاه . أما هذا ( وعرض ظرفاً كبيراً أصفر ) فمخاطبة رسمية من مركز القيادة . المخاطبات الرسمية التي توجه إلى ضابط جريح عليل لا تكون عادة مزعجة ، هذا إن لم يكن فيها ما يبهج . وأما هذا الخطاب ( وعرض ظرفاً أزرق طبع عليه اسم فندق الإسكندرية ) فوارد إليه ممن يسر بتلقي أخبارهم . ( قال هذا وحرك « المراسلة » جانباً من وجهه حركة ذات مغزى ) .
- اذهب إليه إذن قبل أن يغادر غرفته إلى الحديقة .
استأنفت طريقها متمهلة . وظهرت الكآبة على وجهها إذ هي ترنو إلى اليد التي لمستها يده منذ حين مناجية نفسها : لماذا لمسني بهذه الكيفية ؟ ليس هو اللمس الذي ألفته من المرضى عندما يتوجعون ويشكون طالبين تخفيف الوجع ، متوقعين كلمات الرجاء ، ولا هو لمستي قبل هكذا . لمسه اليوم كان فيه أمر ، وكان فيه ابتهاج أيضاً .
أهذا لمس الرجل الذي تحذرنا من شره أمنا الكنيسة المقدسة الرومانية الرسولية الكاثوليكية ؟ أكذلك يلمس الرجال النساء في حياة المجتمع ؟ يا إلهي ، اغفر لي لأنني لم أبد استياء ولم أشعر باستياء ! أعف عن الغبطة الرحيبة التي غمرت قلبي ! إنها لغبطة أثيمة .. يا له من شاب فتان ! يا لنظره الطويل العميق ، ولشفتيه المليئتين حينما تسارعان إلى الشرب كأنها تغرقان في اللبن كلمات تحوم عليها ! شيء منه يلصق بيدي . يده ألقت في يدي شرارة . يا يسوع الطفل ، طهر يدي من الوصمة العالقة بها وأقص عني هذه التجربة !..
■
مرت الساعة الحادية عشرة والأخت يولندا رئيسة الممرضات تقوم بعديد واجباتها من محادثة الأطباء وتلقي أوامرهم ، إلى زيارة المرضى والاستماع إلى شكاياتهم ، إلى تقديم الدواء لبعضهم ، إلى رقابة الخدم في تنظيف الغرف المتغيب أصحابها في الحديقة أو على الشرفات .
وعندما وصلت إلى غرفة القبطان وجدت الخدم فيها فأمرت بتبديل ملاءات السرير وأخذت تنزعها بيدها عن الفراش . عندئذ عثرت على الرسالتين تحت الوسادة فأدركت أن القبطان فضهما وقرأهما قبل الخروج ، فتركهما تحت الوسادة مفتوحتين ، حملتهما لتلقي بهما على الطاولة دون تعمد قراءتها . ولكن نظرها استقر عليهما عرضاً . وإذ تلت الكلمات الأولى في الرسالة الزرقاء نسيت أنها راهبة وأنها امرأة مهذبة لا يجوز لها الاطلاع على الرسائل الشخصية ولو وجدتها مفتوحة . وجرى نظرها على السطور يلتهمها فقرأت ما يلي :
عزيزي موريس !
« كنت دواماً تقول عن خطيبتك هذه أنها صاحبة سياسة بارعة . وأنا الآن أوافقك على رأيك وأصارحك بأنني أستحقه ذلك لأنني أفلحت في إقناع أميلي ابنة خالي بزيارة مصر خلال عطلة الموسم مع زوجها