لانهم اعتادوا استعبادها ليس بالجور والضغط والتعذيب فقط بل باللطف والتدليل والتحبب . النساء المسكينات يتهن دلالاً ان يكن محبوبات لجمالهن . ولو تفكرن قليلاً لأدركن ما في ذلك من معنى التحقير لجميع قواهن حتى الانوثة نفسها »
ولقد تجعلها هذه الوحشة التي تحس بان لا ربيع في الحياة وان الطبيعة خلو من كل ما هو رائع وجميل .
« دنا المساء فهزني الربيع ورغبت في الخروج والتجوال لاشارك الطبيعة في افراحها . كأنني حسبت جدران البيت تقطع الصلة بيني وبينها . وتشعرني بأني محرومة من مشاركة الموجودات الهاتفات بأريج ايار بين الغصون وزينة الارض العروس » فما عسى ان يكون هذا الحرمان التي تشير اليه هنا؟
وهناك موضوع اختارته مي لنفسها بحجة اصلاح لغوي وارشاد اجتماعي وفي الواقع ما اخالها اختارته الا لانه كان يشغل هواجسها في ساعات خلوتها الى قلبها . الا وهو موضوع « فلان ومدامته » حيث تقول : « بين الجمل الاصطلاحية المستعملة على بطاقات التهنئة بالعام الجديد نجد هذه الجملة الكثيرة الشيوع - فلان ومدامته يهنئانكم - وتعلق قائلة : « طالما وقع نظري على هذه الكلمات . ومع اني الفتها فهي تضحكني كل مرة . لانها تذكرني بذلك اللبناني الذي اضاع زوجته في شوارع نيويورك ومضى يسأل البوليس عنها بلغة زعمها انكليزية حين قال : يامستر وين راحت هالمستيرة ؟ » ثم تخلص الى الانتقاد متسائلة : « ترى اذا ذكرها في غيابها فكيف يدعوها ؟ ايقول سيدتي اي « مدامتي » كما تعني هذه اللفظة بالفرنسية ؟ »
وهكذا نحس في اسلوب هذه الكاتبة الفنانة نفساً انثوياً حنوناً ينفث من وراء السطور الحب والرحمة والاشفاق ولكنها نفثات مريرة مصدرها الحرمان الذي قضى عليها ان تعيش بعيدة عن جو الامومة التي خلقت له . تلك الغريزة الحلوة التي ترافق المرأة منذ ان تفتح عينيها للنور الى آخر ايامها . منذ عهدها طفلة تضم دميتها الحبيبة الى صدرها الى يوم يضمها القبر اليه . اجل لقد خلقها الله لتكون اماً رؤوفاً ترشد اولادها على ضوء ما افادت من علم واكتسبت من اختبار . وامومتها هذه سوف لا تمنعها عن اداء رسالتها الادبية والمثالية التي وقفت عليها حياتها وقلمها .
هذا ولعلك مدرك انني ما ذكرت مثل
هذه الامور الا لادلل لك على اخلاص مي لادبها وبالتالي لمجتمعها . لان الكاتب الحقيقي هو الذي يغمس قلمه في مداد روحه لتأدية ما يوحي به قلبه المؤمن بالحياة . وهل الحياة سوى هذا الحب الطاهر المخلص . وما احسبها ترضى بالرجل زوجاً لمجرد جماله او ماله . ولكنها حلمت بزواج ينشأ بين روح وروح وبين قلب وقلب . واذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الاجسام على حد قول المتنبي . وما مي في حقيقتها سوى نفس كريمة كبيرة . وقلب مرهف حساس فهي ادبية شاعرة وهي ام بتول عانقت ابناءها رموزاً واشباحاً .

