ان اثارة الاتحاد النسائي اللبناني في البرلمان وعلى صفحات الجرائد ـ موضوع اعطاء المرأة حقوقها السياسية ، لدليل واضح على تيقظ المرأة . وعلى الوعي التام لمجموع الامة .
ولا غرو في ذلك ، فان بشائر النهضات تلوح عادة في افق الامم مشيرة الى كل تطور في الاوضاع عبر العصور .
وهكذا مطلع الفجر له بشائره ، بل ان كل شروق له في هزيمة الليالي شارات للنصر هي من مواكب النور وآيات الضياء .
وهذا ما يدعو عادة الى غليان في مرجل الامة فوق نيران المعتقدات والعادات القديمة ، ينتهي اخيراً بالخمود والزوال .
وانه ليسرّ المرأة ان ترى هزيمة جحافل الظلمة في لياليها . وان ترى بشائر نهضتها تلتمع وتعبّر عن قرب نيلها الكرامة الانسانية بجانب الرجل .
اذ لا شك في ان حيازة المرأة حقوقها السياسية ، التي هضمت اثناء اجيال واجيال ، نصر للمرأة وللامة ، بل نصر للعدالة الاجتماعية التي هي كسب معنوي ومادي للفرد وللمجموع على السواء .
وأرى انه لا بد لي ـ وقد اخذ الجميع يناقشون هذا الموضوع ـ من ان الفت النظر الى خطأ ورد في كتاب « لجنة شؤون المرأة في دورتها الثالثة ومؤتمرات الهيئات النسائية في الشرق الاوسط » . في باب اجماليات ، القسم
الاول ـ الحق العام . ج ـ الوظائف والدوائر العامة ـ ٢١ في الصفحة الرابعة ـ فقد جاء ما يلي :
« خامساً ـ واذا ما استثنينا اعضاء المحاكم الشرعية التابعين لملاك التوظيف تجلى ان الوظائف الدينية في لبنان غير منوطة بالادارة . فلا يحق للمرأة ـ بحسب الشرع الاسلامي ـ ان تعين قاضية » . هذا ما جاء في الكتاب المذكور .
فاظهاراً للحقيقة اقول : انه ليس في النصوص الشرعية الاسلامية ما يمنع من اعطاء المرأة حقوقها السياسية ومن ضمنها تولي الوظائف العامة كالقضاء .
فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم احتاج الرجال من الفقهاء والحكام ان يسألوا السيدة عائشة رضي الله عنها . وان يرجعوا اليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شؤون عامة وخاصة ، فكانت تفصح عن كل فتوى تسأل عنها معتمدة على السنن النبوية والقواعد الشرعية .
ومن اهم ما سجله التاريخ الاسلامي ان معاوية ابن ابي سفيان خليفة المسلمين كتب اليها ليسترشدها .
فارسلت اليه تقول : سلام عليك . اما بعد فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
« من التمس رضاء الله بسخط الناس
كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله الى الناس » .
وكانت شغب ام الخليفة جعفر بن المعتضد الملقب بالخليفة المقتدر تأمر قهرمانتها « ثمل » ان تجلس في مجلس القضاء للمظالم لتنظر في القصاص كل جمعة بحضرة القضاة .
وقد تولت الحكم شجرة الدر دون ان ينكر ذلك المسلمون .
وفي كتاب « بداية المجتهد » لابن رشد :
« ان ابا حنيفة جوّز ان تكون المرأة قاضياً في الاموال وان ابن جرير الطبري جوّز ان تكون حاكماً على الاطلاق في كل شيء » .
وليس من يجهل ان ابا حنيفة وابن جرير الطبري هما من اعاظم الائمة الذين يرجع اليهم المسلمون في توخي الحقائق الشرعية .
فما تقدم يتضح خطأ ما جاء في كتاب « لجنة شؤون المرأة في دورتها الثالثة » فيما يتعلق بحقوق المرأة في الشرع الاسلامي .
وعليه يمكن للمرأة المسلمة ان تطالب بنيل حقوقها السياسية ، وان تأمل نهضة صحيحة كاملة .

