في إحدى العربات، في أوسلو، عاصمة بلاد النروج، جلست سيدة سائحة إلى جانب رجل كهل، وعندما همت بالنزول، طلب أن يحمل لها حقيبتها الثقيلة. فشكرته السيدة، وما أن وقع نظرها على الرجل، حتى بادرته قائلة: «وجهك يا سيدي ليس بغريب عني» فاجابها حامل الحقيبة، «انا الملك هاكون قد تكونين رأيت رسمي في مكان ما!» فقد كان الملك في ذلك اليوم، شأنه دائماً، بدون حرس ملكي... فكم من مرة رآه الناس يشتري حوائجه الشخصية بنفسه، او يجلس في منتزه عمومي، أو يأكل في مطعم وضيع!
هذه روايات، قد تبدو للقارئ مدهشة، لكن الشعب النروجي ألفها، ولم يعد يرى فيها شيئاً من الدهشة، لان الكثير منهم يتصلون شخصياً بمليكهم، كل يوم...
وارسل الملك هاكون ابنه اولاف إلى المدارس العمومية. فكان ولي العهد، في الحفلة التذكارية لولادته، يكتب على اللوح الأسود: «كل التلاميذ في الصف مدعوون إلى عيدي...»
وعندما احتفل الملك بالذكرى الخامسة والسبعين لميلاده، اقام له الشعب مهرجاناً كبيراً، وعلقت صوره في كل مكان. وصدف ان زائراً أميركياً دخل حديثاً إلى النروج، ومر بالشوارع، وبهت عندما رأى هذه الصورة على كل حائط، فقال لرفيقه: «يظهر ان هذا الرجل، هاكون، مرشح نفسه للنيابة!»
والملك هاكون، دنماركي الأصل، حكم النروج، بدعوة من حكومتها وشعبها، منذ ١٩٠٥. فاحبه الشعب بكليته، لانه وجد فيه الرجل المثالي في كل ما يرغب. فهو رياضي من الدرجة الأولى، يمارس التزلج على الثلج - اللعبة الوطنية
لبلاد النروج.
واكثر ما يزعج الملك هاكون، هي المواقف الرسمية، التي يحمل معها لتقبل الاحترام الفائق من الشعب. وصدف ان ادخل إلى مكتبه مرة، رجل من العامة.

وبعد فترة من الصمت قال الرجل في مطلع حديثه: «ليعذر سيدي سلوكي، فانا لم اتعود المثول أمام الملك!» فطمأنه الملك وهو يربت على كتفه: «لا بأس يا صديقي! وانا ايضاً لم اتعود ان اكون ملكاً!!».
واولاد النروج ينظرون إلى مليكهم، نظرتهم إلى اب مجنو عليهم ويحبهم. وحدث ان مرّ الملك مرة بزمرة من الأولاد يلعبون بالثلج، فقذفه احدهم بكرة من الثلج على مؤخر عنقه. فاستهجن المرافق هذا العمل يبدر من الطفل نحو مليكه! وتقدم يؤنب الطفل ناعتاً عمله بقلّة الاحترام! فاعترضه الملك ضاحكاً: «لا تؤنبه، فعندما كنت في مثل سنه، قذفت
الملكة فكتوريا بكرة من الثلج، ولكنهم آنذاك لم يكتشفوا من فعل ذلك!».
وفي سنة ١٩٤٠، عندما هبطت الجيوش الألمانية «بالبراشوت» إلى بلاد النروج واحتلتها عسكرياً دون سابق انذار، عرضت على الملك هاكون أن يشكل الوزارة لكنه رفض رفضاً باتاً، أن يتعاون مع النازيين فصدرت مذكرة توقيف بحقه.. وسعى الألمان ينسفون بالديناميت القرى الآمنة الآهلة بالسكان، قصد القضاء على حياته. وكان الملك في سفر متواصل، لا ينام ليلتين في مكان واحد. واخيراً جمع المجلس واعلن امامهم الأسباب التي تضطره للرحيل موقتاً عن البلاد التي احبها ووقف حياته من أجلها... وختم كلامه والدمع حائر في عينيه: «ليبارك الله النزوح!»... واقلع بعد ذلك إلى انكلترا...
واخلص الشعب النروجي له كل الإخلاص، وكانوا لا يحيّون بعضهم بعضاً إلا بعبارة: «ليحي الملك!». ويكتبون اسمه بأحرف كبيرة في كل مكان، حتى على أبواب المعسكرات النازية! ولم يهدأ لهم بال حتى جلا الألمان عن أراضيهم، وحل ذلك اليوم المنتظر، بعودة الملك هاكون إليهم... وكان استقبال الشعب له مؤثراً جداً، فقد تجمهر الناس على المرفأ وعلت هتافاتهم له، حتى صمت الآذان.. «ليحي الملك! ليحي الملك هاكون!».
مترجمة عن مجلة «ريدرز ديجست»

