كان لي من العمر عدّ أصابع اليد ، يوم نزلت بيروت للمرة الأولى . وقد بلغت مني الدهشة مبلغاً عظيماً ، عندما وقعت عيناي على الأبنية ، فبدت لي آنذاك شاهقة تناطح السحاب ، وما الدنيا ، على رحابتها ، بأكثر منها اتساعاً . واذكر ، أنني مع عودتي إلى الضيعة في المساء ، حدثت أترابي عن انطباعاتي الأولى الحلوة ، لأن عيني الطفلة القروية فيّ ، لم تريا في بيروت ، في الزيارة الأولى تلك ، إلا ما يبهر العين ، ويملأ القلب روعة وكبراً .
وتوالت السنون ، والصورة المثالية للمدينة الكبيرة في جوار ضيعتي راسخة في مخيلتي — أقول «مثالية» لأن ذاكرتي ، لم تشأ أن تمس بيروت ولا بشيء من التشويه ، فكل زاوية فيها كانت لعيني نظيفة لماعة . وحتى الغبار ، لا أذكر أنني آنذاك رأيت فيها غباراً !
وما أن خرجت إلى العالم ، واتسع أفق حياتي مرة واحدة ، واستقر بي المقام في بيروت ، عروس خيالي الساحرة ، حتى بدأ شيء من الضباب يغمر الصورة الحلوة .
ما أزال حتى الآن ، كلما ذكرت تلك الصدمة العنيفة تعاودني حيرتي من جديد ، واقف لحظة أمام الصور الكثيرة التي تشوّه هذه المدينة ، وأسأل نفسي : « لماذا لا تكون بيروت جميلة كما عاشت في مخيلتي وأنا طفلة ؟ » .
عرّج معي نحو هذا الشارع الفسيح ، ذي الرصيف العريض . حقاً أن البلدية أحسنت وضع تصميمه ، واتقنت تنفيذ هذا التصميم ، ولكن هناك على الرصيف العريض ، يتربص رجل كسيح ، وقد مدّ ساقيه الميتتين بوجوه المارة ، باسطاً يده بذلة المنكسر ، يكرر الدعاء تلو
الدعاء ، ساعة تلو ساعة ويوماً تلو يوم ... تحملك خطاك بعيداً عنه ، ويبقى رجع صوته في أذنيك وصورته في ذهنك ، حتى يستوقفك صبي صغير ، قاطعاً عليك الدرب ، ليحول دون تقدمك خطوة أخرى ، وأول ما يدهشك من أمره ، أن ما شأن هذا الصبي يعترض طريقك ؟ وبنظرة سريعة على هندامه ومجمل حركاته تستطيع أن تحكم لنفسك في الأمر ، فمثل هؤلاء الأطفال المشردين كثير في بيروت ، يزرعون الشوارع جيئةً ورواحاً ، يعترضون المارة على هذا الشكل ، محاولين أن يثيروا في قلوبهم الشفقة والرحمة .
... وهذا شارع آخر ، خلوٌ من المخلوقات الطفيلية ، وكأني بك تتنفس الصعداء ، ثم تبدأ بترديد لحن ناعم لبيتوفن ، يحلو لك ترديده ، كلما غمرت نفسك موجة من الطمأنينة ، واعتراك شيء من الارتياح ... ولكن مهلاً ، أنّ تفاؤلك هذا لن يطول ، فذلك المنعطف الذي أمامنا ، على هدوئه وجماله ، ما تورع الناس أن يصموه بشتى القذارات .
تمهل قليلاً ، ومدّ الطرف على رصيف الشارع الطويل . انظر كيف يبسط الباعة ينادون بأعلى أصواتهم ، عارضين سلعهم من كل صنف ولون ، امشاط ،


