بالونات، صابون، بويا بيضاء، العاب للاطفال، دواء اسنان، دبابيس شعر... هذا عدا باعة الجرائد الكثيرين، جميعهم على باب ادريس، في ذلك المزدحم، يقطعون الطريق على المارة. يُعيقونهم عن السير، ويصمّون اذانهم باصواتهم العالية.
وان قادتك قدماك الى شارع وضيع منفرد، وحسبت انك بعيد عن هذه الصور المزعجة، يفسد عليك هذا الحسبان منظر بعض البيوت البارزة الى الشارع كأنها تقول لك: «انا اخرج على المألوف واتحدى القانون!»
وعلى ساحة البرج، مركز الحركة العام واذا كانت اليك من حاجة، وجب ان تكون من المصارعين لتصل الى حاجتك، فجماهير الناس مكدّسة افواجاً افواجاً، في عرض الطريق... في حديث او نقاش، واصواتهم تصل الى السماء..
ادر طرفك قليلاً وتأمل قطعات البشر بصمت. انظر كيف جعل اصحاب المقاهي ذلك الرصيف الجانبي مكملًا لقهوتهم، فصفوا عليه الطاولات، حولها الكراسي، وشرّع الزبائن اراكيلهم بحرية، على قارعة الطريق، بين ارجل المارة، كأنهم في حدائق عامة!
واذا شئت الانتقال الى حي آخر، وكان لا بد لك من الصعود الى التراموي، يبدو لك ان كل ما آذى عينيك من قبل يهون ويسهل، وتتيقن انه لا سبيل الى المحافظة على كرامتك الا في استئجار سيارة تحملك الى بيتك، والا، فان الازدحام يخنق انفاسك، والمواقف المحرجة التي تتعرض لها تجرح كرامتك.
واذ تصل الى بيتك، وترتمي على مقعدك منهوك القوى، مهدّم الاعصاب تتسابق في رأسك اسئلة كثيرة، تحار لدى الاجابة عليها:
لماذا يرمي الناس علب السكاير وقشور الموز والفستق على قارعة الطريق ولا يكلفون انفسهم عناء كبيراً، يحول دون
حدوث مثل هذه الامور التي وان صغرت بحد ذاتها الا انها ترمي الى مغزى بعيد.
كم من الناس، المدمنين على التدخين، والمصابين بالسعال يا ترى، من يتلقى البصقة في منديله الخاص، بدلا من ان ينشرها في الشارع بوجوه الناس؟ كم مرة تتكرر مثل هذه المشاهد يومياً امام اعيننا، فتشمئز لها نفوسنا وتقشعر ابداننا، ولا ندري اين نحوّل اعيننا لنتقي مشاهدتها على هذا النحو الذي تمجّه النفس وتأباه، فلا نجد لذلك سبيلاً.
وهنا تستلقي على ظهرك وتغمض عينيك في تأمل عميق.
ما يمنع ان تبقى بيروت جميلة عن حق؟ ما يمنع ان لا تقوم بناية في هذا البلد في وجه بناية اخرى؟ ما يمنع ان ينظر نهائياً في قضايا المشوّهين والمشردين؟
■
بالامس القريب، شهدت بيروت مؤتمر الاونسكو، واهتم المسؤولين اهتماماً فائقاً للمحافظة على نظافة العاصمة ونجحوا الى حدٍّ بعيد، فظهرت بيروت كما رغبوا، جميلة نظيفة، فما يمنع الان ان تبقى السلطات على اهتمامها ذاك، وتبقى بيروت جميلة نظيفة كما كانت في مخيلتي وانا طفلة؟

