... حكاية رائعة ، قصها هذا البحر ، مرة ، لبحارة من هذه الشطوط ، في عودته من الجزر البعيدة يوم عاد مع المد ... عن صبايا حلوات خلف البحر ، يحرسن مغاور الزمرد والياقوت المرصودة ... ما رأت مثلها عين بعد ، ولا سمعت بمثلها اذن في الارض !
كنوز كنوز ... رصدتها في البحار ، صبيات حسان ، يفكها بحار مشرقي من ارض لبنان .
وله بعد ذلك ، جبال من الزمرد والياقوت ، جبال مكدسة ، يحملها في عودة البحر الى لبنان ، ويحمل معه الصبيات الحلوات ، حارسات الكنوز المرصودة في البحر !
... وفي ليلة ، هبط من الجبال شبابها ، خلف الحكاية الحلوة ، والحكاية على البحر ، تمتد وتمتد وتستطيل حروفها ، فاذا كل حرف فيها جنية ، تضرب البحر بعصاها السحرية ، فينشق البحر عن مغاور وجبال ، من الاكداس المكدسة ، من خيرات البحار المرصودة .. ذهب فوق ذهب ، ذهب من تراب ، تراب من ذهب ... اكداس اكداس فوق بعضها البعض ... كنوز كنوز ، رصدتها في البحار صبيات حسان يفكها ، بحار مشرقي من ارض لبنان !
— الى اين يا وديعتي الثمينة الى اين ؟! خليك على قلبي ... ادفىء شيخوختي في ربيع شبابك ، وبدفأ ، قلبي في عينيك . بالدموع ربيت شبابك .. الى اين ياكنزي الغالي الى اين ؟!
— في البحر يا اماه حكاية رائعة .. جبال من اليواقيت ، مرصودة على وجهي ، في غد اعود الى قلبك ومعي اكداس منها ومعي صبيات حلوات ! .
— الى اين يا فلاح الخير ، يا دافق البركات في صدري . الى اين ؟ ترابي خيّر حنون .. وكرمي معطاء جواد ! .
والارض ، ارضك ، سخية ، لا يشح صدرها ، فلمَ يشح صدرك انت من المحبة يا فلاح الخير ؟ .
— في البحر يا ارض ، في البحر حكاية رائعة ، جبال من اليواقيت مرصودة على وجهي ...
كروم من الزمرد ، معلقة فيها العناقيد .. غداً اعود بعناقيد الزمرد فاعلقها في دواليك ...
في البحر يا ارض ، في البحر .. ؟!
... وتقفر الليالي ... مواقد النار في الثلوج ، باردة حتى الصقيع ، تنطفئ الجمرات فيها ، على كف شيخة وشيخ ، يبست فيها العروق ... وحيدين وحيدين ... الا من الصورة المعلقة في الحيط ، وهذه الرسالة تنام تحت المخدة ، فيها ريحة ولد ضاع في البحر .
الساحات في القرى ، مقفرة يموت فيها شعاع الشمس الدافئ وحده فلا يطلع على زند مفتول .
عناقيد العنب في الكروم ، يابسة على امانها ، جلدة مصوصة لا يتشهاها فم ولا تطلع في بال .
جرس الكنيسة الكبير في العيد ، محني الرأس ، كئيب ، لا يدق دقاته !
فقد قطّع الشباب حباله وراحوا ...
انوال الحرير ، في الدار يغص فيها الغناء ، فلا يطلع في بالها الا الندب !
دودة الحرير ، تموت من الجوع فالارض لا تطلع ورقة توت بعد ...!
بيادر القمح تنوس فيه الحياة ، على بقرات عجفاء وحبات عجفاء ، لا تشبع عصفور الدار الحبيب .
بيوت القرميد الحمراء الحمراء معتمة تعيش في ظلام الوحشة وظلمة الهجران ... على قرميدها الاحمر غراب .. وفي شبابيكها المخلعة بومة . الدروب ، لا بحة فيها ولا فيها غنة فتى قوي تموج بالحب في عودة العشيات الى بيت الحبيبة .
البنيات الصبايا مكسورات على الشبابيك ، عيونهن في البحر وراء الحكاية .

