
متى يعود حبيبي ؟ متى يعود اخي ... متى ... متى .
وما غصت في الارض ام ، مثلما غصت امهات شباب بلادي، ترمي بهم على كف العفاريت على الموج ، خلف الشمس ، على البحار السبعة ، حيث لا تصل عين .
رباه . رباه . من علم الناس في هذه الارض حروف تلك الحكاية ، فاذا بها في ساعة من الزمن مأساة مصبغة بالدم والدموع ، مأساة طويلة من الآلام لا اول لها ولا آخر ... ولا تنتهي ...
بلى اولها هنا في هذه الشطوط ، وآخرها هناك في « مغاور الزمرد والياقوت » . ليتها ظلت في الحكايات ، اسطورة ، يتلهى بها شباب الجبال على مواقد النار في الثلوج ، ويغنيها رعبان السهول خلف قطعانهم في المراعي .
ولكنها في الحكايات اكذوبة رائعة قصها البحر مرة لبحارة من هنا ، اكذوبة عميقة كبيرة من اكاذيب هذا البحر العميق الكبير !
ليت الخشبة اللبنانية الاولى التي خشت في البحر ، تكسرت في عب البحر في الريح والموج ولم تسمع امواجه خشيش ضلوعها !
ليت دربك يا بحر ، لم تكن علينا ، فقد عمرنا على دروبك قصوراً مذهبة القباب ، فابتلعت امواجك قصورنا واكواخنا ...
ولم يبق لنا الا هذه الآفاق البعيدة ، ننظر اليها ، لعل فيها زورقاً يعود لنا بمجيب من مغاور الزمرد واليواقيت .
ردهم يا بحر ، ردهم من هذه الغربة الطويلة المريرة . ردهم من مجاهل الغابات فقد يبست جلودهم من وهج الحر ووخز البرد
وتفسخت ارجلهم من المشي في الليل والنهار، وانسلخت اكتافهم وانحفرت فيها سلخات عميقة في اللحم .
ردهم من مناجم الفحم، من انفاق الارض، من السراديب فقد اسودت ضمائرهم وقلوبهم ووجوههم ، وجعدت الآلام جباههم .
ردهم يا بحر ، فامواجك التي تزور الشواطئ كلها ، تعرف انهم انما يحفرون قبورهم ، وهم يحفرون عن مغاور الزمرد والياقوت. لقد رأتهم امواجك في جميع شواطئ الارض هزالى، تصفر زنودهم ، تأكلهم الغابات السوداء . يصطادهم عبيد الليل مصوصين من الآلام والتعب ... يطردهم الهم من باب الى باب وخلف كل باب ، يحسبون انهم واجدون ، تلك الحكاية الرائعة ، تلك الاكذوبة الرائعة من اكاذيبك يا بحر .
ردهم يا بحر ، الى نور الشمس في بلادهم ... الى حقول الزهر في قراهم ... الى الينابيع الصافية يعبون فيها الصحة والعافية ... الى الكروم التي هجروها فهجرتها البركات والخيرات . الى البيوت التي عمروها على التلال والسفوح وراحوا .. الى ارضهم يا بحر ردهم ، فارضهم فيها الكنوز المرصودة . ارضهم فيها الزمرد والياقوت والعقيق والمرجان وحبات الذهب ، وبركات السماء كلها في ارضهم .
وفي عودتك اليهم ، قل لهم انك كذبت عليهم . واستغفرهم يا بحر ...
قل لهم . ان المغاور التي حدثتهم عنها ، مغاور للثعابين والافاعي ، مرصودة من الجان والعفاريت ، فيها برك من الدماء وبرك من اللهب .
واضرب يا بحر بينك وبين الذين ما برحوا هنا يغامرون بشبابهم وراء الحكاية ، اضرب بينك وبينهم سوراً من حديد ، فلا يجتازه بعد اليوم زورق يضرب في اليم على اسم الكنوز المرصودة ...