... الادب العربي ، بين آداب العالم تنقصه في معظمه ، تلك الروح الصوفية العميقة التي تعكف على مطاوي النفس الدفينة ، فتنشد آلامها وأفراحها .
وان هذا « النشيد » الذي قدمته الآنسة ثريا عبد الفتاح ملحس ، يسد بالفعل فراغاً في أدب الذات .
في جوّه عبق شعري ناغم يذكرك بالانغام الهندية ، في الهياكل البوذية ، وفي كل قصيدة من قصائد هذا النشيد ، عبق بخور ، وأطياب عميقة الغور ، عميقة الشم ، تتخايل في الالفاظ ، والاجواء ؛ ان هذه الاناشيد ، تتميز بالحرارة والدفء ، حرارة الايمان العميق في النفس ، ايمان داخلي يشرف في ذاته ومن ذاته ، على الله الذي هو كل الخير وكل الجمال وكل الحق ، ومن خلال هذه الحرارة وهذا الايمان ، يتجلى لك الله قريباً منك ، معك ، تلامسه في كل رقة من رفيف نفسك ...
والجمال ، احساس نفسي تتمرد فيه النفس على المقاييس المعترف بها ، لتشرف من خلال اغشية الحس ، على كل شيء ، فإذا كل شيء جميل نقي الجمال ...
وان الشاعرة الصوفية ثريا عبد الفتاح ملحس ، في كتابها الاول هذا ، تفتح كوة جديدة في الادب العربي ، كوة كانت مغلقة حتى اليوم ، فهي عدا ما في
نفسها من ايمان وحرارة وحيوية ، وتمرد ، تعكف على اللفظة ، فتخرجها بصفاء واناقة ولباقة ندرت في الادبيات الطالعات .
وقد وفقت في تسلسل الانغام واتساقها ، في الفاظ جديدة كل الجدة ، صافية كل الصفاء ، نقية كل النقاء ، تمتزج هي والنغمة في سيمفونية واحدة جميلة .
أما طبع الكتاب ، فهو بالفعل حدث جديد آخر ، في عالم الطباعة ، فقد برزت
هذه الاناشيد ، في اصفى واعمق واروع ما تصدر الكتب في العالم ، على ورق تتشهاه العيون والايدي .
فكأن الادبية ارادت ان تخرج للناس ، باكورتها الاولى في جو من الجمال الصافي ، الغالي الصفاء ...
وفي الكتاب صورتان رمزيتان ، يتناسبان ، مع الجو هما «يد الله» و«السر» للفنان رودين ...


