نفسه لم يكن يزعجني ، بل كانت عينه مصدر قلقي . وعندما ينبلج الصباح كنت أدخل غرفته بجرأة غريبة وأتحدث إليه في طلاقة وأخاطبه بصوت يفيض حناناً ، مستفسراً منه كيف قضى ليله .
وكانت في الليلة الثامنة أشد حذراً في فتح باب الغرفة مني في أي ليلة عداها ، ولم أدرك في حياتي مبلغ قدرتي وعزمي قدر ما أدركته تلك الليلة ، فزهوت بشعور النصر الذي يعتمل في جوانبي ، وأنه لمنظر يبعث في النفس ذلك الشعور عندما كنت أعالج فتح باب الغرفة في حيطة ، بينما لا يشعر العجوز بما أفكر في عمله بالسر . فهقهقت عندما لاح لي هذا الخاطر ولعله سمع قهقهتي فقد رأيته في فراشه فجأة كمن أصابه ذعر . ولعلك تعتقد أنني جبنت وتخاذلت عن تصميمي ؟ كلا لم يحدث شيء من ذلك . وكانت الغرفة مظلمة بعد أن أحكمت أغلاق النوافذ خشية اللصوص ، وهكذا كنت على يقين من أنه لم يرني وأنا أحذر في فتح الباب . أدخلت رأسي كالعادة ، وعندما كنت على وشك فتح المصباح ، زل إبهامي عن مكانه فتسبب عن ذلك صوت قفز العجوز على أثره من السرير وصاح - من هناك ؟
فاعتصمت بالصمت والهدوء ولم أنبس ببنت شفة ولم أتحرك قيد شعرة ، وبقيت على هذه الحال ساعة كاملة ، ولم أسمع أنه عاد إلى نومه ، بل كان جالساً في سريره يصغي كما كنت أفعل أنا في كل ليلة ، مصغياً إلى كل حركة وجلبة مهما دقت وخفتت . وفجأة طرقت سمعي أنّة خافتة لمست فيها أنّة الخوف المميت ، فلم تكن أنّة صادرة عن ألم أو حزن ، بل كانت أنّة خافتة صادرة عن أعماق الروح ، حين يستولي عليها الذعر والخوف . لقد عرفت الأنّة جيداً ، فقد صدرت مثيلاتها عن صدري عندما كنت أصاب بالذعر في منتصف كل ليلة ، ولذا كنت
أعرف معنى أنّة العجوز كما كنت أفهم مدى الشعور الذي كان ينتابه ، فأحس بالشفقة عليه ، بينما كنت أقهقه في قرارة نفسي . كنت أعرف أنه لم ينم منذ سمع أول صوت ، فتجسمت مخاوفه ولعله حاول أن يجد مبرراً لخوفه ، وأنه لا مدعاة لذلك الشعور ، وربما تساءل في قرارة نفسه - لا شيء هناك . إنه ليس سوى صوت الريح يتلاعب في المدخنة ! إنه ليس سوى صوت فأر يذرع أرض الغرفة . لقد كان يحاول أن يعزي نفسه بهذه التفسيرات ولكن بدون طائل ، فقد كان الموت يقترب منه ، ويتمطى شبحه الأغبر أمام ناظريه . وهذا هو الذي جعله وهو لم ير ولم يسمع ، أن يحس بوجود شخص آخر في الغرفة .
ولما طال انتظاري بصبر بالغ دون أن أسمعه يأوي إلى فراشه ، قررت أن أفتح المصباح فتحة صغيرة . ولما فعلت ذلك شع شعاع ضعيف خافت كخيط العنكبوت وأنصب على العين النسرية . كانت العين مفتوحة كأن النوم لم يطرقها أبداً ، ففزعت من ذلك المنظر ، فقد كانت زرقاء كالحلة تغشاها غشاوة بشعة بعثت في أوصالي رعدة باردة ، حتى شعرت أنها خرقت عظامي واستقرت في مفاصلي ، ولكنني لم أر بقية وجهه وجسمه وكأنني قد سلطت أشعة المصباح على هدفي دون سواه . وفي نفس الوقت طرق سمعي صوت خافت متتابع كصوت ساعة ملفوفة بالقطن . إنني أعرف ذلك الصوت الذي لم يكن سوى صوت قلب العجوز . زاد ذلك الصوت هياجي كأنه صوت طبل يستحث الجندي لخوض غمار المعارك . ولكنني لم أفتح ، بل بقيت صامتاً وبقي المصباح في يدي يرسل شعاعه الخافت على العين النسرية دون انقطاع ، ولكن الصوت الجهنمي الصادر عن قلب الرجل ظل يتدرج في ارتفاع وسرعة ، لحظة بعد لحظة ، ولا شك أن فرق الرجل كان
بالغاً حده . كان الصوت يتزايد علواً وتتابعاً ، كلما أوغل الوقت وقربت تلك الساعة في الليل الصامتة صمت الفناء في وسط ذلك السكون المرعب في بيتنا القديم ، عندئذ لم أتمالك نفسي من الرعب الذي أثاره في ذلك الصوت المخيف . حاولت أن أتمالك شعوري ، ونجحت في ذلك لبضع دقائق ، ولكن دقات قلب الرجل تعالت أكثر فأكثر حتى خلت أن ذلك القلب سينفطر من الخوف دون شك . وفي تلك اللحظة غمرني خوف جديد فقد تبادر إلى خيالي ، أن صوت هذه الدقات قد يطرق سمع أحد المجاورين . لقد دنت ساعة الرجل لا محالة ، فأرسلت صيحة مدوية وأطلقت العنان لنور المصباح وداهمت الغرفة ، صرخ الرجل صرخة واحدة فعاجلته بأن جذبته إلى الأرض ودثرته بالفراش وهنا ارتسمت على وجهي ابتسامة النصر بعد أن نفذت تصميمي . ولكن دقات قلب الرجل استمرت منبعثة عدة دقائق ثم انقطعت فجأة . لقد مات الرجل وفارقته الحياة ، رفعت الفراش عنه ، كان ميتاً كالصخر وأيقنت أن عينه لن تقوى على أفلاقي بعد الآن .
ولن ترميني بالجنون إذا ما علمت قدر الاحتياطات التي فعلتها في تنفيذ فعلتي وأخفاء معالم الجريمة . مر الليل متثاقلاً وأنا أعمل مسرعاً ولكن في صمت وهدوء . وأول ما فعلت هو أن فصلت الجثة إلى أشلاء ثم خلعت بعض ألواح أرض الغرفة ، ووضعت الأشلاء تحت تلك الألواح وأعدتها كما كانت حتى أيقنت أن عين أي إنسان لن تقوى على ملاحظة ما فعلت .
ولما فرغت من هذه الأعمال ، كانت الساعة قد بلغت الرابعة صباحاً وما زالت سجف الظلام تلف الكون من جميع أطرافه . ولما دقت الساعة الرابعة ، دق باب المنزل فنزلت وفتحت الباب وقلبي مطمئن ، فدخل ثلاثة أشخاص وقدموا لي أنفسهم على أنهم من ضباط البوليس ،
