والثقة بالنفس إلى أن أجر كرسياً لي وأضعه فوق الألواح التي دفنت تحتها أشلاء الجثة.
اقتنع الضباط من كلامي واستحوذت عليهم طريقتي في الكلام والإقناع، فجلست معهم وكنت أجيب على أسئلتهم بكل طلاقة ومرح وتطرق الحديث إلى شتى الأمور المألوفة، ولكني سرعان ما شعرت أن لوني قد امتقع، ورغبت في أن يغادرا البيت بأسرع ما يمكن. ولم يمر سوى وقت قصير، حتى شعرت بدوار في رأسي وخيل إلي أنني أسمع رنيناً في أذني.
إني لا أشك أن لوني كان ممتقعاً في تلك اللحظة، ولكنني بالرغم من ذلك ازدادت طلاقتي في الكلام، وازدادت نبراتي ارتفاعاً ووضوحاً - تجاوب الرنين أكثر فأكثر - فماذا أفعل؟ كان الصوت المتجاوب كأنه دقات ساعة لفت في قطعة قطنية. شرعت ألهث بصوت مسموع، ولكن الضباط لم يسمعوني ثم أخذت في التكلم بسرعة وما زال الرنين شديد الجرس بتواصل. قلت في نفسي لقد انتهت مهمتهم فلم لا يذهبون؟ قمت وصرت أذرع الغرفة جيئة وذهاباً وأنا أتمتم وأرغي وأزبد وأسب وألعن. ثم تناولت كرسي وشرعت ألوح به في فضاء الغرفة. وضربت به ألواح الأرض فتحطم عليها، ولم يمنع ذلك العمل الرنين من التوالي حتى خلته قد طغى على كل شيء.. والضباط يسمرون ويضحكون، وقد أخذ الحديث منهم كل مأخذ. هل بالإمكان أنهم لم يسمعوا شيئاً؟ كلا يا ألمي، فلقد كانوا يسمعون ويشكون ويعلمون. هذا ما اعتقدته وما فكرت فيه وما زلت، فقد كانوا يرقبون مقدار الرعب الذي أقاسيه. لم يعد بإمكاني أن ألمح ضحكاتهم التي تستر وراءها النفاق والخداع، وشعرت أنه يجب علي إما أن أصرخ أو أن أموت. أصغ! إن الرنين
قد ازداد علواً لحظة فلحظة، حتى طغى على كل صوت آخر في الغرفة. عندئذ اندفعت صائحاً بأعلى صوتي:
أيها الأوغاد، كفاكم خديعة وتدليساً. إنني اعترف بفعلتي. اقتلعوا هذه الألواح
هنا وهناك - وهذا الرنين ليس سوى وجيب قلب القتيل المذعور، وليس سوى رنين ضميري المعذب.

