الرجل بصراحة غير مألوفة وبكلمات هي السحر الحلال تدخل الآذان بدون استئذان لأنها منبعثة من قلب عامر بالإيمان.
« أتكلم الآن بحرقة كأني صوت المرأة الصامت منذ أجيال، وتستمعون إلي بإشفاق كأنكم نفس الرجل المشتتة منذ ابتداء الدهور، النفس الكبيرة المبعثرة تستجمع قواها للإصغاء، والصوت الخافق الذي لم يتعود إلا همس الطاعة وتمتمة التمرد المبهم يرتفع الآن آتياً من بعيد من أعماق الدهور السوداء صارخاً أيها الرجل، لقد أذللتني فكنت ذليلاً حررني لتكون حراً، حررني لتحرر الإنسانية ».
وكم كانت تعتز عندما كانت تدعى لحفلات تكريمية، وتتاح لها فرصة الكلام، لا لأنها كانت تحب العظمة والظهور، بل لأن الاحتفاء بها كان معناه تقدير كرامة المرأة العربية عموماً وتشجيعها إلى النهوض والسير إلى الأمام - من ذلك قولها - في حفلة « الكوخ الأخضر »، الحفلة التكريمية التي أقيمت احتفاء بها :
« لو علمت أن الاحتفاء بي وحدي مجردة لحبس الخجل كلمة الشكر على شفتي، ولكني أعلم أن الغاية من هذا التكريم أبعد من أن تحصر في فتاة وأعظم من أن توجه إلى فرد، وإنما الغاية منه تشجيع الفتاة الشرقية عموماً التي تقولون لها في شخصي أن في الشرق روحاً جديدة تطلب نهضتها وأن عيونكم ترقبها وقلوبكم ترعاها لتمدها بالقوة والتنشيط الممكن. لذلك أراني الساعة ممتلئة كرامة وأهمية لم أشعر بها من قبل ».
وفي مقالتها « الدموع » التي ألقيت سنة ١٩١٩ في الاجتماع الذي عقد في مصر لإنشاء « ملجأ الحرية » تذكر إعجابها برجال مصر الذين فسحوا لها مجال القول.
فكأنهم بذلك يرفعون من مقام المرأة.
« أما وقد كبر الرجل وتعالى فقد أوقفني في مكاني جاعلاً صوتي يتصاعد حراً ويسطو قاهراً فعّالاً لا لأنه صوت فتاة بل لأنه صوت الفرد الإنساني المكمل ».
وماذا يكتب القلم عن هذه الشخصية الفذة والعبقرية الملتهبة.
ومن أجدر من « صوت المرأة »، أن يحيي ذكرى من رفعت صوتها ذلك الصوت الذي لا يزال صداه يرن في الآذان.
وما عدد - مي - الخاص إلا تقديراً لكرامة المرأة العربية في شخص - مي -. إن بنات العرب على تعدد مذاهبهن واختلاف مواطنهن سيذكرن آثار من رفعت من شأنهن بكثير من الإعجاب.

