


... كان في بيت معالي الشيخ بهيج تقي الدين ، اربع سيدات ، والدته وزوجته وسيدتان غيرهما . وقفن مسلمات ، وتقدمت ربة الدار بضع خطوات باشة مرحبة .
وفكرت لحظة : جميل ان نحتفظ بطابعنا اللبناني وتقاليدنا ، وجميل ان يصل بعضنا الى الكراسي وتبقى نفوسهم متواضعة !
والسيدة سعاد ، كريمة الشاعر الشيخ امين تقي الدين . ربيت بمصر ، وتثقفت في مدارس الراهبات ، فتخرجت منها ، تتقن ، الى جانب العلوم ، فنون الاشغال اليدوية والتصوير ...
وتستقر عيني امامي على الحائط - على لوحة زيتية جميلة ، اعلم فيما بعد ان السيدة سعاد ، حملتها معها من مصر ، من بيت ابيها ، يوم زفت الى ابن عمها ... والصورة قطعة فنية تدل عن تفهم عميق للفن ، وعن ذوق رفيع .
وتحدثني السيدة سعاد تقي الدين ، ويداها على حضنها في حركة مستمرة ، فهي تحوك كنزة ، لعلها لاحد صغارها ، وهي حريصة على وقتها كل الحرص ، لا تفرط بدقائقه تذهب هدراً .
وبين شفقات القهوة ابادرها بالسؤال :
- حدثيني يا سيدتي عن اكثر ما يلذ معالي الوزير .
- ان اكثر ما يلذه مهنته ، ينصبّ عليها من الصباح الباكر . وكثيراً ما ينسى مواعيد طعامه . فأسعد اوقاته ، كما اشعر ، وهو في جو العدلية ، بين زملائه القضاة والمحامين .
... واقاطعها مستفسرة :
- تعنين انه يفضل مهنته على بيته ؟
وتضحك السيدة سعاد بلباقة وتستدرك :
- بل اعني انه يفضل مهنته على الكرسي ! اما بيته فلم تتعرض له بعد ...
ولما نصل في حديثنا عن معالي الشيخ بهيج كزوج ، تتأهل السيدة سعاد ، حائرة في الجواب ، فتستأذن السيدة والدته في الاجابة هي على هذا السؤال اتقاءً من احراج موقف كنتها ! فتندفع الام ، بكثير من العزة والفخر تتحدث عن احترام الشيخ بهيج لزوجته ومدى ثقته بها ، الى ان تقول :
« ليس لابني بهيج ما يعارض في شأن من شؤون البيت ، فهو يترك لزوجته الحل والربط ، ثقة منه بحكمتها ورجاحة عقلها . حتى في بناء بيته الجديد ، فقد وكل اليها امر الاشراف على المهندس مكانه ، اما زياراته هو الى « الورشة » فمن باب التفرج فحسب ! وقلما نجد بين الرجال من هم اهنأ منه واوسع صدراً ...
فاشكر السيدة ام سعيد على ملاحظاتها القيمة ، واعود الى محدثتي السيدة سعاد فاسألها :
- وما هو مدى تأثيرك على معاليه في المراجعات الشخصية ؟
والاحظ انها كانت تشير الى زوجها باسمه الاول فتجيب :
- ان بهيج كمحام هو غيره كزوج ، فلا يسمح لاحد على الاطلاق ، حتى لي انا ، بالتدخل في شؤون عمله ، وقد عودني على طبعه هذا منذ اول عهدنا بالزواج ، فلم اعد اسمح لنفسي بالتدخل بمراجعاته الشخصية .
- وهل لسيدتي ان تحدثني عن معاليه كأب ؟
« يحب اولاده حتى العبادة ، انما مهامه الكثيرة تتركه من الشغل المتواصل بحيث قلما يتيسر له الجلوس بهدوء ، مع اطفاله ، كلما طاب له الجلوس ، فترينه يختلس الدقائق ، ليرفه عن نفسه بمداعباتهم واللعب معهم ، والاستطلاع على سيرهم في المدارس . »
... وكنت اصغي الى حديثها ، وعيني على الطفلة الصغيرة تحبو على ارض الصالون ، تقاطع امها بين الحين والحين ، بصوت ملائكي ، فأشفق في سري ، على الشيخ بهيج ، لا يشبع تمتعاً بهذه الطفولة الغريرة . وماذا ترانا نأخذ من اطفالنا غير هذه الضمّات الطاهرة المنعشة ؟
- وأخيراً ، اقول لمحدثتي ، هلا اخبرتني شيئاً عن ذوق معاليه في اللبس وعمن ينتقي ملابسه ؟
- اما من حيث لبسه ، فهو يحرص دائماً على ان يكون مرتباً ، مع عدم الاسراف في التأنق ... انما هنالك شيء واحد له لذة خاصة بالتغاوي به ، وانتقائه بنفسه - الكرافات او ربطة العنق ! هذه وحدها له مراء خاص بها ، واما فيما عدا ذلك فانا التي اشتري ثيابه حسب ذوقي ، وهو دائماً راض عنها ... ام انه مكره على الرضى ، لان ليس لديه من الوقت ما يكفي للاهتمام بها بنفسه !!؟