يلاحظ إن الضجة التي قامت وما زالت قائمة عندنا حول عمل المرأة وحقوقها وواجباتها قد خفتت في الغرب منذ عهد بعيد لان نهضة المرأة عندهم قد جاوزت دور النظريات. بل يغلب على ظني ان هذا الدور قد اوشك ان ينتهي عندنا ايضاً ولم يعد صياح المحافظين الا صرخة في واد لان تطور المرأة يجري - حتى في الشرق - بمعزل عن آرائهم.
لنسمع ما يقوله فرانسوا مورياك - وهو كاتب من الجيل الاسبق وعضو في الاكاديمية الفرنسية - وقد سئل عن رأيه في حرية المرأة العصرية، قال : ان المرأة العصرية لم تنتخب حريتها الحاضرة بل ان هذه الحرية فُرضت عليها فرضاً من قبل الظروف الصناعية والتجارية المتطورة.
ويعلق على هذا هرفي بازان بقوله : ليست حرية المرأة العصرية نتيجة نظريات ومبادئ جاء بها الكتّاب وبيّاعو الكلام بل ان انتشار المعامل وازدهار المكاتب والمخازن وتكاثر الاعمال التي تستدعي عمل المرأة في الحرب وفي السلم، كل ذلك ارغمها على الخروج من بيتها ومنحها حرية الاختلاط بالجنس الآخر. ومن جهة ثانية كانت الازمات التي تلي الحروب تعرض اصحاب الطبقة الوسطى للافلاس فيضطرون الى تشغيل بناتهم.
ثم كان انتشار العلم حافزاً آخر للمرأة على العمل المثمر، حتى اخذنا نرى بنات الطبقة المميزة المترفة يسأمن حياة البطالة والظهور في الصالونات ذات الجو الخانق، ويلتحقن بمعاهد العلم او الفن او الخدمة الاجتماعية، عملاً بهذا المبدأ العصري العظيم : الشغل سبيل الحرية ... لقد شعرت المرأة لاول مرة بطعم الحرية حين قبضت اول مرتب شهري وادركت انها لم تعد عبئاً على اهلها ولا عبئاً على زوجها.
وسئل هرفي بازان : اي اخطار تتعرض لها المرأة المتحررة ؟ فقال :
انها اكثر حرية من جدتها لكن اوقات فراغها قليلة لا تتيح لها فرصة الاسترسال في الشر. مع هذا تتعرض المرأة المتحررة للاصطدام بالتقاليد القديمة لانها تعودت التصرف حسب مشيئتها فتصطدم ارادتها بارادة الاهل او ارادة الزوج او الخطيب ومن هنا تكثر المشاكل العائلية وحوادث الطلاق الذي اصبح اليوم اسهل مما في الماضي لان المرأة اقدر على تحصيل معاشها والاستغناء عن الزوج. ولكن كل تغيير يستتبع مشاكل ومصاعب يترك حلها للزمن.
- واي تأثير احدثته حياة العمل في شخصيتها غير ما ذكرت ؟ هل تبدلت تبدلاً جوهرياً ؟
- لا ارى ذلك، يجيب هرفي بازان. فالمرأة لا تزال هي هي، في فضائلها ونقائصها. انها ذات براعة في الاعمال اليدوية وصبر وطول اناة وشعور بالمسؤولية وحسن اضطلاع باعباء المهنة، لكنها لا تزال، كما في القديم، قليلة الابتكار والخيال. تلقى نجاحاً في المهن التي تستدعي الثرثرة : في الصحافة، الادب، التعليم، المحاماة. وفي مهن الاسعاف الاجتماعي التي توافق مزاجها : التمريض والطب والخدمة الاجتماعية. وفي الاعمال الآلية، في المكاتب والمخازن والمصانع حيث تبرهن عن دقة واتقان - وقلما تجدها في مهن اخرى كالجندية او الشرطة وسواهما من اعمال الرجل.
وهي ما زالت كجدتها عاطفية في
ملاهيها. وقد استعاضت عن فنون الترف، كالتصوير والموسيقى، بمشاغل عملية كحياكة الصوف ومطالعة صحف الاخبار.
س - وما هو موقف المرأة المتحررة من الزواج؟
ج - لا تزال المرأة تحسب الزواج مهنتها الأولى. فبينما يزداد عدد الفتيات العاملات حتى يصبح ستة اضعاف ما كان في فرنسا منذ سنوات، نجد عدد المتزوجات العاملات لا يتجاوز الضعفين. رغم هذا لا ترى المرأة بداً من التسلح بمهنة تقيها الطوارئ، وتؤمن استقلالها الاقتصادي وتدرّ عليها المال عند الحاجة.
س - وما رأيكم في هذه الظاهرة التي تشيع اليوم في اوروبا الغربية، ظاهرة الزواج الحر والاولاد غير الشرعيين؟ أنتكون حرية المرأة مسؤولة عنها؟
ج - الى حد ما. ان الزواج الحر يعني عدم ارتباط الزوجين بعقد ليصبح الطلاق سهلاً حين يملّ احدهما الآخر او حين يكون الطلاق ضرورياً. ومن عوامل تشجيعه تناقص عدد الرجال على اثر الحروب، وقدرة المرأة العاملة على اعاشة الاولاد من غير معاونة الزوج لا سيما حين تحصل على اعاشة حكومية. وما يشجعه ايضاً ضعف سيطرة التقاليد على نفوس الغربيين واستقلال الفرد برأيه، ثم آراء فرويد ونظريات التحليل النفسي التي تلاقي رواجاً ومؤداها ان الامومة امر ضروري لحياة المرأة الفيزيولوجية وان عظمتها لا تقوم في التبتل بل في الامومة. رغم هذا يلاحظ ان عدد الاولاد غير

