كانت من أجمل عذارى الحي، فهي مديدة القامة، خمرية اللون، ناعسة العينين سوداؤهما، مطمئنة الفم، جميلة الأنف... وكانت كريمة سيد القبيلة، فأضافت إلى الجمال دلالاً وترفعاً، وإلى الفتنة سمواً وتعالياً، فكانت السحر كله.
وكان هو أسود اللون وإن لم يكن قبيحاً، فقوام كالرمح، وذراعان مفتولتان، وعينان يقدح شرر العزيمة منهما.. وأغلب الظن أنه لم يكن شديد السواد فقد كانت أمه حبشية، ولئن كان قد ورث لونه عنها دون والده، فقد كان بدوره حبشياً، أما لقب العبد الذي علق به، ولقب الأسود الذي أطلق عليه فلم يجيئاه من اللون وحده بل احتقاراً لمولده من أمة، فابن الأمة عبد ولو كان أبيض، فكيف به وهو أسود من سوداء..
فتح الفتى عينيه للنور ليجد نفسه محتقراً من قومه إلى حد أن لا يعترفوا به، فأمه السبية تهمس في أذنه أنه ابن شداد أحد شيوخ القبيلة وأبطالها، وشداد لا يعرفه إلا أنه أحد عبيده، يرعى إبله، ويقوم على خدمته واقفاً، فإذا ما سمح له بالجلوس جلس عند قدميه، كالكلب عند قدمي سيده.
وفي صدر الفتى نفس كبيرة، ورثها عن هذه الأم التي ما تفتأ تردد على مسامعه أن أهلها من خيار الناس، ولولا السبي لما كانت أمة لشداد أو غيره.. وورثها عن هذا الوالد العبسي الذي يتزعم وأخوه القبيلة، ولكن هذه الأنفة لا بد أن تظل محبوسة في صدره لئلا يسخر القوم من عبد أنوف..
ولسنا ندري متى أو في أي سن أحب زينة فتيات الحي عبلة، فمن المعقول أن يكون هذا الحب قد نشأ في صدره مبكراً أو منذ أن ابتدأ يفهم الحب، فهو يحمل قعب اللبن إلى خيمتها كل يوم، وهو يسقي الإبل على العين التي تردها لتبترد وتلهو، وفي تلك المدينة الصغيرة المكونة من
مجموعة من الخيام يشعر كل فرد بأنفاس كل فرد، ويراه أو يسمع عنه كل يوم، فلم لا يتفتح قلبه اليافع، وأمامه الجمال والشباب والظروف المواتية؟..
وتألمت نفس الفتى، قالت له وبك، هناك الشرف التليد، والمقام العالي، والجمال والسحر، وهنا، هنا السواد، والعبودية والنسب المجهول، فكيف تطمح؟.. وكيف تأمل أيها العبد راعي الإبل، كيف تأمل؟.. تالله لئن لم تصبح شيئاً يذكر، لئن لم تشتهر إلى حد أن يشار إليك بالبنان، فلن تحصل عليها.
وراح الحب، الحب الحزين الطموح، العنيف الثائر، راح يفعل المعجزات، فإذا بالفتى يتنفس الشعر مع أنفاسه، وإذا بشعر العبد كله رقة وعذوبة وجمال تنشق من أعماق أعماق الفتى العاشق.. وسأل نفسه من جديد هل آمل؟.. وضحكت نفسه هازئة منه من جديد، فالشعراء في دنياه كثر، وجمال فتاته كفيل بأن يطلق لها لسان ألف شاعر وشاعر.
وابتدأ الطموح في صدر الفتى يفعل فعله، كان ابناً لوالد شجاع، فدم الأبطال يجري إذاً في عروقه، فلتتعاون الوراثة مع الهوى على صوغه بطلاً مقداماً، وكيف، كيف لا يصبح رب الطعن والنزال، الفارس الذي يحمي حمى القبيلة ويرد الذمار عنها، ما دامت بين عذارى القبيلة المعبودة التي يتغلغل هواها في
عروقه..
وابتدأ العاشق الواله يسمو إلى الكمال، وما دامت أنظاره تحدق إلى أعلى، إلى النجمة المتألقة هناك، وما دامت الطبيعة قد تجلت عليه بجمال المحيا فليسع إلى الجمال النفساني. وليتميز عن لداته بكل صفة كريمة، حتى إذا ما تحدث عنه شباب الحي وصباياه، وحتى إذا ما أرسلها وقد صهر الحب فؤاده أنّات ملتهبات هي قصائده المنظومة، فتناقلتها الألسن حتى أوصلتها إلى أذني من يهوى، لم يضمنها فخره بشاعريته وبطولته فحسب بل بسجاياه السامية.. وهكذا، إذا ما خاض المعركة فكان بطلها المجلي، وإذا ما راح قومه ككل قوم يقتسمون الغنائم بعد المعركة، جلس هو من بعيد متفرجاً مترفعاً، ثم راح يرسل رسالته في كتاب مفتوح إليها.
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى، وأعف عند المغنم
وإذا ما شرب لداته الخمر فاستهترت الشبيبة ما شاء لها الشباب الغض أن تفعل فليقل لها:
وإذا شربتُ فإنني مستهلكٌ مالي وعرضي وافرٌ لم يُكلمِ
تلك رسائله إليها، لا ينفك يضمنها جمال روحه، وسمو مناقبه، فإذا ما عُيّر [...]
( البقية على الصفحة ٤٩ )

