... ونجهم وجه صديقتي وهي ترنو الى فمي ، يتمتم عبارات العزاء والدعاء ، وقالت بصوت تخنقه غصة الحزن والاسى : « هي المصائب تنزل بنا ثقيلة مربعة ، فلا تنفك تنصبّ علينا ، صدمة تلو صدمة ، وبلوى اثر بلوى ... مصائب تلوي الاعناق ، وتترك في العينين نظرة جمود وبأس ، وتترك على الخدين شحوباً اغبر ، وفي القلب فراغاً ، وفي الروح جدباً ويبوسة ميتة !.. »
... واشاحت بوجهها عني ، تخفي دمعة تترقرق وشفة ترتجف ... وامتدت يدها الباردة ، تتمسك بيدي ، تستمد منها شجاعة وقوة ...
الموت ! ذلك الجن المروع ، يكشر عن انيابه ، مفاخراً بسطوته ، هازئاً بضعفنا . ونحن بني البشر ، لا شيء على الارض يوقفنا بحق ، معفري الجباه ، منكسرين ، محطمين ، سوى الموت — الموت وحده — وفيما عدا ذلك من النكبات الكثيرة ، فكلها مناوشات عابرة ، قلما تترك اثراً في نفوسنا .
... بالالم نولد ، بالالم نعيش ، وبالالم نموت ، وهل العمر كله غير سلسلة من الآلام ؟ وما اقل الذين ترفق بهم الحياة فلا ترهقهم بالعذابات والآلام !! فالانسان الصالح الورع ، كالفاسد الشرير ، كل يحمل صلبه في الحياة : هذا يحمله بجلد المؤمن وصلابته ، وذاك بالعربدة والكفر ، اما المصيبة فواحدة ، تنزل بكل نفس حسب طاقتها ، ففي كل يوم تفجع الالوف من البشر ، باعزائها واحبابها ، وهذه الكأس تنتقل بين الشفاه ، لا يسلم من مذاقها المر ، انسان واحد في الناس .
ولعمري ، ان في هذه الحقيقة كثيراً من العزاء الجميل ، للذين تسالم يد القدر ، فتوسعهم تنكيلاً .
تدهمنا مصيبة عظيمة ثقيلة ، فينتابنا تضعضع في عقولنا وافكارنا ويخيل الينا باديء الامر ، اننا عاجزون عن تحمل اعبائها ، ونمسي في يأس قتال ، يزين لنا التخلص من هذه الحياة وقساوتها وظلمها ، وبداخلنا شك في ايماننا . والحقيقة ان المصيبة مهما عظمت وثقلت ، فانه يبقى في نفوسنا طاقة كافية لمقاومتها والتغلب عليها .
من منا لم يسمع « بيتهوفن » ، نابغة القرن التاسع عشر في الموسيقى ، فقد بدأ دروسه الموسيقية في سن الرابعة ، واقام الحفلات العامة وهو في السابعة . وما بلغ العاشرة ، حتى كانت مواهبه قد ازهرت واثمرت ، لكنه لم يكن في يوم من الايام صحيحاً معافى ، بادي الفتوة والنشاط ، فقد عانى الامرين من الروماتزم وشح النظر وضعف السمع ، وفقد سمعه وهو في الثانية والثلاثين ، غير ان هذه النكبة الصحية على صلتها المباشرة بعمله ، لم تؤثر البتة على روحيته ونشاطه الانتاجي ، حتى ان قسماً من اجود تآليفه الموسيقية كتبت في هذه الفترة المريرة ...
لا يعلم الا الله ، مقدار ما تحمله صدر
هذا الموسيقي العظيم من ألم وحرمان ومع هذا فهو قلما شكا او تذمر ... والذي نعلمه ، انه طوى منه في قلبه الرحب ، الشيء الكثير . يدلنا على ذلك عبارته الاخيرة التي قالها بلهفة ، قبيل وفاته ، مشيراً الى تآليفه المكدسة :
« سأسمعها في السماء ! »
... « سأسمعها في السماء ! » قالها بتهوفن ، واغمض عينيه ، وانطلقت روحه في الفضاء ، لتعود من حيث اتت ... فكان في تغلبه على الالم وانتصاره عليه ، اسطورة في الناس ، يرويها جيل لجيل ...
فكم من نوابغ في بني البشر ، نزلت بهم كارثة ، فصهر الالم ارواحهم ، وصقل عقولهم الفذة ، فاذا فيها كل جمال وخير واذا فيها مسحة علوية من روح الله !! ...
...
« وكيف انتصر على الالم ؟ » تسألني صديقتي ، بعد صمت وتفكير . كيف اتغلب على الحزن وهو ابداً عملاق في اعماق اعماقي ، بعينيه الزجاجيتين ووجهه الكالح البارد ؟
... وانا اقول لصديقتي ، اخرجي من عزلتك ، وبدلي جمودك هذا بالحركة ... ولا ضير ان بدأت مصطنعة ، فهي لا تلبث ان تصبح طبيعية ... فالمصائب محك لمعادن الناس ، تبلورها وتكشف

