... وسأل الطفل والده بينما كانت السيارة تتابع سيرها ، والدي ! أذاهبون نحن الى البيت ؟ بلى يا سمير ، أجاب الأب ، بلى يا ولدي اننا ذاهبون الى البيت .. اذاً يا والدي ، أضاف الطفل سأرى والدتي هناك ؟
وبدت الحيرة على وجه الوالد ، وأظلمت الدنيا في عينيه وارتجفت يداه ولم تستطيعا ادارة مقود السيارة بسهولة ، فاضطربت السيارة في سيرها ، وأدرك الطفل بسذاجته ان في الأمر سراً - فسكت واستسلم الى نوم مضطرب غير هنيء .
وبعد فترة من السكوت قال نديم متابعاً حديثه مع الممرضة ابنة عمه ... وكذا يا سلوى ، قضيت هذه السنوات الخمس من حياتي ، نهبة للانفعالات وحليفاً للانزعاجات والأسى ...
ولكنك ، قالت الممرضة ، ولكنك كنت تحبها . نعم ، قال نديم ، نعم كنت أحبها ، ولقد كان حبي لها أصل بلائنا ، رأيتها لأول مرة فخلت الشمس تجسمت بوجهها المشرق وبنظراتها البراقة الأخاذة ، طلبتها من ذويها وخلت اني نلت الدنيا بأسرها اذ نلت منهم كلمة مبارك ، جعلت من بيتي لأجلها فردوساً ، وبذلت في سبيل ذلك كل غالٍ ورخيص . عاديت الأهل لأجلها ، ضحيت بعملي لأجل امتاعها بالحياة التي تهواها ، حياة الليالي الساهرة والحفلات المتناهية في البذخ والاسراف . وكان ذلك كله كحلم جميل عشت بنعيمه فترة من الزمن ثم صحوت منه ، فاذا بكياني مهدد ، ومهنتي تكاد تضمحل وتتلاشى من حيز الوجود ، ونقودي التي أرصدتها في البنك توشك أن تنفد ، وبعد ، وبعد يا سلوى حاولت أن
أفهم زوجتي ما هو موشك أن يحل بي من دمار ان استمر كل منا على متابعة هذه الحياة التي لم توجد لمثلنا ، ولكنها بكت حظها العاثر ، وبكت ثم بكت ، وقد أثر في بكاها فتركتها حرة طليقة تفعل ما تشاء على ان أعود انا الى صحيفتي اليومية فأتعهدها بالعناية وأسهر عليها كما يجدر بالصحفي ان يسهر .
واختارت زوجتي لنفسها ما تريد من الحياة ، اذ لم يمض على ولادة ابننا هذا كبير وقت ، حتى عادت الى حياة الحفلات والسهرات ، عادت تبذر ما أسعى انا لنيله بعرق الجبين ، وتغمر بالبسمات من كنت في سالف العهد أمقت رؤيته وأعده من المنحطين . وهنا يا سلوى كان بوسعي ان أضغط على شعور زوجتي ، وأن أخيرها ان هي مضت في حياتها
هذه ، أخيرها بين العودة الى أهلها والاقامة في بيتي حسبما أريد . ولكنني يا سلوى كنت أحبها ولم أطق ان أحملها راغمة على ما لا تريد .
وتطوع أحد أصدقائي لاعادة زوجتي الى بيتها في ليلة نكراء ، اذ رآها واقفة حيرى في باب أحد المقاصف وقد أخذ المدعوون ينصرفون مع ذويهم . أجل تطوع أحد أصدقائي لاعادتها الى بيتها وكانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل . ليل موحش ، وطرقات خاوية ، وصديقي يعلم ما أكنّ لهذه الزوجة المتعنتة من حب ، حب يحملني على العمل حتى أواخر الليل لأجل ايفاء ما تحتاج اليه من مال للانفاق على مسراتها . وسارت سيارة الصديق يحملها الثمين وبعض الأهل حتى [...]


