اذا ما اقتربت من البيت ، وهناك ، هناك فقط خرجت سيارة اخرى من الشارع المقابل ، وما هي الا بضع ثوان حتى وقع اصطدام مروّع ، تهشمت بفعله سيارة الصديق ، ولكن احداً لم يصب بسوء ، اللهم الا زوجتي التي فقدتها منذ ذلك الحين .
كدت اصعق اذ تناهى الى الخبر ، فنسيت البيت والاهل ونسيت هذا الطفل الذي مرض فارسل الى المستشفى ليجد منك اماً تحدب على حاله وتعطف على ما اصبح فيه من يتم . الا ان الحب قاتل يا سلوى ، ويا ليتني لم احب زوجتي الى هذا الحد .
...
لا بأس يا نديم ، قالت سلوى ، فانك لست الا طفلاً كبيراً . ولكن ما هذا ؟ انك قد ضللت الطريق وأراك قد عدت للمدينة مرة ثانية - فتنهد نديم ثم قال - خطأ يسير فيصلح وشذوذ طارىء ، يبتعد عنه بسهولة ، والان هلا خبرتني عن نفسك وحالك خلال هذه السنوات الخمس التي لم أر لك فيها وجهاً ؟
تصورت سلوى بيتها الكائن بجانب بيت نديم ، تصورت ام نديم وهي تصفها باخته وبأعز من اخته ، تصورت طفولتها البريئة ، حيث كانا يمرحان في البساتين ترميه هي باللوز الاخضر ويحلف هو ليصطاد جميع العصافير التي تأوي الى جنينتها ، ثم تصورته راكضاً بعد العدة لتزيين بيته ، وتصورت نفسها وهي ترحب بزوجته بعدما قر قرار العائلة على مقاطعته ومقاطعتها ، واخيراً تصورت نفسها مبتعدة عن البيت ومن فيه ميممة شطر المستشفى للعمل فيه على تخفيف وبلات الانسانية وذلك لتبتعد عن محيط تحمل الاقامة فيه لما أمر الذكريات . تصورت
سلوى كل هذا وبصوت هادئ جميل اجابت :
أوتسألني عن حياتي يا نديم ، وحياتي هي كحياة هذه الاشجار التي تراها امامك ، منتشرة على جانبي الطريق ،

خضراء بهية ، لا تضيرها عواصف الشتاء ، ولا تبهجها روعة الصيف ، انها دائمة الخضرة سواء تلبد الغيم فيما يخيم فوقها من سماء ، ام صحا الجو ام اكفهر ، بما يرسل عليها من غيوث وانواء . انها دائمة الخضرة يا نديم ، لا فرق لديها اذا اشرقت عليها
الشمس بأشعتها الدفيئة ام اثقلها الثلج بذرّاته البيضاء الثقيلة . ان حياتي يا نديم هي كحياة هذه الاشجار ، الا ما اجل الاشجار لانها تستطيع ان تبسم في وجه العاصفة وترد على الشمس المنيرة تحية بتحية ، كما انها تستطيع ان تحنو على كل ذي حاجة الى الحنو من بني الانسان .
...
البيت !! البيت !! قال الطفل اذا افاق من غفوته ، هل سأرى امي هناك ؟ وسكت نديم عن اجابة هذا السؤال للمرة الثانية ، بينما قالت الممرضة ، لا يا عزيزي ، انك لن تجد امك هناك ، فأمك الان في مكان جميل يفوق وصفه وصف اي مكان ... وهل سيسمح لي ان اراها هناك ؟ سأل الطفل . - اجل يا عزيزي قالت الممرضة ، انما يكون ذلك في الليل عندما يزورك سلطان النوم ويعرض عليك رؤيا من تحب من الاناس .
وسكت الطفل وحاول النوم ، كما استمرت السيارة في اندفاعها تطوي الشوارع طيباً ، نسيم عليل يهب على وجهين عابسين ووجه ثالث مستسلم صاحبه الصغير الى النوم . خيالات تمر بمخيلة سلوى ونديم ، فيستعرضها كل بمخيلته ، ذكريات تندفع من عالم الغيب فتطبع امام وجه نديم ، فيتذكر ويتذكر ، يتذكر حنو ابنة عمه ، ويتذكر ثورة اهلها لزواجه ، ويتذكر فوق هذا العطف الذي ابدته نحو طفله ، فاذا به ينتبه الى انه قضى خمس سنوات متتالية كان مقيداً بالسراب يتبعه فيظنه الشراب بنفسه ، الا ان الانسان مسير لا مخير ، فليتخذ اذاً من مآسيه عظات يبني عليها مستقبله ، ومستقبل هذا الطفل الذي عليه وعلى تصرفه تتوقف حياته ، واذا بنديم يلتفت الى سلوى ويسأل - سلوى أتحبيني ؟...
