بعد الغداء جلس الاب قرب الراديو يسمع الاخبار . سامية تقرأ في كتاب كثيف الحجم ، صغير الحروف . واخوها نهاد وهو اصغر منها يتمشى تارة بين المقاعد متأففاً وطوراً يتطلع من النافذة الى الطريق وهو ينتظر بفروغ صبر ان تنتهي الماما من ارتداء ثوبها وتأخذه هو واخته سامية الى السينما فهناك فيلم جديد عن طرزان .
وها هي الخادمة الجديدة زنبق قد أتت حاملة دلواً لتمسح ارض الغرفة المجاورة . فوضعت الدلو على الارض وبدأت بالتسبيح . ولكن ها هي تتوقف عن عملها وتنظر من الباب نحو الراديو . فتقف جامدة كالصنم وتتسع حدقتاها . فيسألها نهاد عما بها . تجيبه متعجبة وقد ساورها
قليل من الخوف :
من الرجل الذي في العلبة ؟
- اية علبة ؟
- هذه العلبة السوداء .
واشارت الى الراديو . ففهم نهاد انها لا تعرف ما هو الراديو . لقد جاءت حديثاً من الجبل من قرية بعيدة ولم تر الراديو قبل الآن . فخطر له ان يسخر منها ، وهو المعروف بحبه للمداعبة . وبدون ان يبتسم او تتغير ملامحه اقل تغيير اجابها كأنه يقول شيئاً عادياً ومفهوماً :
- عفاريت وارواح الموتى تتكلم في العلبة .
- ارواح الموتى ؟ عفاريت ...!!
واتسعت عينا زنبق المسكينة اكثر من ذي قبل .
- نعم ، كل ارواح الموتى . وكل العفاريت ....
كان والد نهاد قرب الراديو يصغي الى الاخبار فلا يقدر ان يسمع ما يدور بين الخادمة ونهاد من حديث ، وسامية غارقة في قراءتها لا تنتبه لشيء . لم يكن احد يسمعه سوى زنبق فتابع كلامه :
كل من ادار زر هذه العلبة سمع روح عفريت .
اجابته زنبق مذعورة كل الذعر :
- اي عفريت يتكلم الآن ؟
- عفاريت سوداء ... بيضاء ...
- آه . ولكني لا افهم ما تقول .



