في مثل هذه الحالة . كانت الفتاة لا تنفك ترهقه ارهاق المضطهد ، وتعذبه عذاب الشهيد ، فصار يومهما وليلهما شجاراً متصلاً لا يخلو من سباب وضرب .
واخيراً صمم على ان تنتهي هذه الحال على أي وجه وبأي ثمن . فباع رسومه واقترض من اصدقائه بعض المال حتى حصل في يده عشرون الف فرنك فوضعها ذات صباح على المدفأة ومعها كتاب الوداع وترك لها المنزل ولجأ الى بيتي .
وفي الساعة الثالثة بعد الظهر قرع الباب ، فذهبت افتحه فاذا هي في وجهي لا تكاد تملك نفسها من الحنق والقلق ، فارتبكت انا ، ودخلت هي ، ورآها هو من بعيد فوقف حتى اقبلت عليه ورمت بين قدميه الغلاف وفيه الاوراق المالية . وقالت في هيئة نبيلة ولهجة موجزة : هاك نقودك . لا حاجة لي بها . وكانت حينئذ متقعة اللون مضطربة البال حرية بأن تأتي كل حماقة ، وكان هو كذلك كاسف الوجه محنق الصدر حرياً أن يرتكب كل شدة ، فسألها : ماذا تريدين ؟ فقالت : لا اريد ان تعاملني معاملة البغي ، لقد توسلت الي حتى سكنت اليك ، فأنا لا اطلب الا ان تبقيني عندك .
فضرب الارض برجله وقال منفعلاً :
- لا ، هذا كثير . اذا كنت تظنين انك ... فجذبته انا من يده وقلت له : دعني يا جان افعل . ثم تقدمت اليها واخذت اكسر من غضبها بكل ما يمليه الخاطر في مثل هذه الحال ، وهي تستمع الي جاهدة شاخصة صامتة مصرة . فلما فرغت جعبتي والحال لا يزال على اشده ، لجأت الى آخر الحيل فقلت : انه لا يزال على حبك يا صغيرتي ، ولكن اسرته تريد ان تزوجه ، وانت تعلمين ... ! فأخذتها رجفة قوية وقالت :
- آه .. ! آه ! لقد فهمت الآن ! ثم التفتت اليه وقالت : تبغي ان تتزوج ؟ فأجابها في شدة وحزم :

