حين تستقبل في منزلك بعض الاصدقاء ، فيجب ان توفر لهم اكبر قسط من الراحة والمتعة ، سواء من الناحية المعنوية او من الناحية المادية . يجب ان يجدوا عندك الطمأنينة والغبطة اللتين تريد ان تجدهما عندهم ، فاستقبلهم كما تتمنى ان يستقبلوك وعاملهم مثلما تشتهي ان يعاملوك .
انك اذ تدعو الى منزلك اصدقاء لك ، فانك لا تدعوهم من اجل مسرتك وحسب ، سواء اكانت هذه المسرة صادرة عن الصداقة او المنفعة او محبة الذات ، ولكنك تدعوهم من اجل مسرتهم ايضاً . فاحرص اذن على ان تجمعهم بحسب ميولهم المتشابهة واذواقهم المنسجمة . ولا ترغم شخصين يتبادلان البغض على ان
هذا فصل من كتاب « آداب السلوك » الذي ظهر حديثاً وقد اشرنا اليه في عدد مضى . وها نحن الآن نقدم لقراء هذه المجلة فصلاً من آداب السلوك على المائدة .
يتشاطرا عشاءك . واذا كانت حرفتك تقضي عليك بالدخول الى اوساط مختلفة فلا تدع بورجوازياً صغيراً في الوقت الذي تدعو احد ابناء الارستوقراطية ، لانهما لن يجدا ميداناً واحداً يستطيعان التفاهم فيه ، وعلى الرغم من افتراضنا فيهما حسن اللياقة والمجاملة فان ذكرى الساعات التي سيقضيانها تحت سقفك ستكون من ذكرياتها السيئة او من الذكريات غير المحبة اليهما على الاقل .
امتنع عن الولائم الكبيرة ، التي اصبحت نادرة في هذه الايام ، والتي يفي المرء بها مرة واحدة جميع الدعوات التي تلقاها خلال السنة . تصور ستين او ثمانين شخصاً قد حشروا في منزل واحد ، واصحاب المنزل ينتقلون بينهم حائرين مضطربين ، يتركون هذا ليستقبلوا ذاك ، ويعرّفون المدعوين بعضهم ببعض تعريفاً

مؤلف كتاب « آداب السلوك »
سريعاً مقتضباً . فلا جو ولاء يسود الوليمة ، ولا عطف ، ولا مودة ، بل زحمة ، وضوضاء ، وضيق شديد . فاذا كانت هذه الحفلة من تلك الحفلات التي يسمونها « كوكتيل بارتي » اخذ المدعو يعد الدقائق بصبر فارغ حتى اذا مضى على حضوره عشرون دقيقة استأذن وانصرف او انصرف دون استئذان ، وان كانت وليمة عشاء اضطر الى الانتظار حتى تقدم الفاكهة ليعتذر وينصرف .
واذا كان وضعك الخاص يسمح لك باستقبال كثير من الناس ، او يضطرك الى ذلك ، فاتبع هذه النصيحة :
استقبل في اوقات كثيرة ، وادع في كل مرة عدداً قليلاً من الاصدقاء ، فان اجتماع بعض الاصدقاء المختارين ببراعة ، حول مائدة فاخرة ، من امتع مسرات الدنيا ، ولسوف يشكر لك كل واحد منهم الساعات الشائقة ، التي قضاها في منزلك .

