بسواد لونه وعبوديته، أضفى الألم على شعره لوناً حزيناً، ولكنه ثائر ساخط
أن كنت في عدد العبيد فهمتي فوق الثريا، والسماك الأعزل أو أنكرت فرسان عبس نسبي فسنان رمحي والحسام يقرّ لي
وبعد، فعنترة فارس شاعر ظلت الفروسية والشعر تتنازعانه حتى استقر على عرشيها معاً، أما فروسيته فأمر لم يختلف فيه ونحن لو جردنا حياته من الحواشي التي أضيفت إليه، وأخذنا بأقوال الثقات فقط، بل لو عدنا إلى حادثة اعتراف والده به، وما هذا الاعتراف بالعبد إلا عن طريق الفخر بشجاعته وفروسيته، لحق أن نعده بطلاً، ولقد عاش تسعين عاماً ومات في الميدان كما قال معظم الرواة، وأن قال بعضهم باغتياله.
أما شاعريته فأمر لم يختلف فيه أيضاً، فلقد ولد قبل الإسلام بأكثر من نصف قرن، وعلقت ميميته على جدران الكعبة وعدت وعد صاحبها من المقدمين في أصحاب المعلقات، وفي شعره عدا الرنّة الحزينة والفخر والآباء والبطولة، أبيات فيها من رقة المعاني وسلاسة التعبير ما جعلها متناقلة على ألسنة الناس كالأمثال، ومنها قوله:
قالوا اللقاء غداً بمنعرج اللوا وأطول شوق المستهام إلى غد ولقد أبيت على الطوى وأظله حتى أنال به كريم المأكل وأغض طرفي أن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
وقيل أن البيت الأخير ذكر أمام النبي فقال: ما وصف لي أعرابي فأحببت أن أراه إلا عنترة .. ولكن ما هو أثر
المرأة في حياة هذا الشاعر المجيد.
في حياته امرأتان، الأولى أمه تلك الحبشية التي كانت كريمة الخلق، أدت رسالتها كأم لا ترضى الذل لابنها فظلت تحدثه عن كرم محتدها حتى أصبح سواد أخواله فخراً له إذ يقول:
وأنا المجرب في المواطن كلها من آل عبس منصبي وفعالي منهم أبي حقاً فهم لي والد والأُم من حام فهم أخوالي
والثانية عبله، تلك التي امتزجت بكل دقائق حياته، فهي في معلقته وكل بيت من أبياتها ينضح بالحزن والحب والحنين، وهي في حماسه وفخره في حربه وسلمه، في المرعى وفي المعركة، فكأنه نظم لها، ولها وحدها، وكأنه ما يكاد يبتدئ النظم إلا وتقتحم صورتها القصيدة فتتربع في كل بيت من أبياتها، بل وكأنها هي التي كانت تحته فتوحي إليه بالفكرة والتصوير وكل شيء.
ونحن نتساءل، ترى لو وجد عنترة في غير هذا الظرف القاسي، لو لم تكن هناك عبوديته وسمو مقامها، سواده وجمالها، لو لم تكن هذه الفوارق التي أذاقت الشاعر الحرمان، وأذكت فيه روح الطموح غير المحدود، أكان إذاً يصبح الفارس البطل، والشاعر المجيد؟
قد يقول قائل، ولكن كثيراً من الشعراء نبغوا واشتهروا مع أنهم لم يكونوا في ظروف كظروف عنترة، نعم أنهم نبغوا واشتهروا لأنهم لم يكونوا في ظروفه، كان الواحد منهم يولد حراً، ليس بينه وبين المجد إلا أن يمهد الطريق ثم يسير، أما عنترة فما أبعد الطرق عنه ليمهدها .. كان أقرب إلى المعقول أن يشب عبداً راضياً بعبوديته، يرعى الإبل وينظم الشعر أن أمكن، وشعر العبيد على الأصح، أما أن يحارب الدنيا وينتزع من حوله حريته انتزاعاً، أما أن يرغم
الناس على أن يحنوا رؤوسهم أمام عبقريته فينال من دهره كل ما تمنى، فذلك ما يلزمه روح تدفعه باستمرار، وتقوي عزيمته أبداً ..
وأخيراً فإن من الإنصاف أن نقول، أن عوامل أخرى اشتركت في خلق الشاعر الفارس، وأهمها دم العبسيين، الذي يجري في عروقه، وآلام الكريمة التي وجهته، ولكن العامل الأكبر على ما أعتقد، العامل الذي أرهف مشاعره، وسما بخلقه، وقوّاه على تخطي الصعاب، وجعل قلبه ولسانه يقطران عذوبة وأنفة وتعاظماً هو الحب، بل على الأصح نوع المرأة التي أحب ... كانت تطل عليه من علٍ، عفيفة أبية، سامية الخلق، لا تفتأ تهمس في أذنه: «حاول أن تصل إلى حاولي». وهكذا ظل يحاول، ظل يحلق بجناحيه، ويتخطى الصعاب، حتى وصل ..
