... لم يحمل لها ابوها شيئاً من الحنان والمحبة الابوية ، فقد كان يريد صبياً يعينه في حراثة الارض ، وهكذا قادها امامه الى الحقل ، لتساعده ... ولما طالبت بحقها في التعليم ، انكر عليها هذا الحق بقساوة مريرة ، ولم يتورع من ضربها وجلدها ! وهي تتمتم بكبرياء : « لن اذرف دمعة ! »
هذه اديلين رينولتس ، وعمرها الان ٨٨ سنة ، عرفت دائماً كيف تنتصر على الالم وتحافظ على حيويتها واذا بها عام ١٩٤٠ ، تصبح نجمة سينمائية في هوليود ، في سن ، تعجز فيه النساء عن قضاء حاجاتهن ، وقد ظهرت في ١٩ فلماً سينمائياً ولها مئات المعجبين يسمونها « جدة رينولتس » ولكن آلة التصوير التي التقطت صورها في ١٩ فلماً لم ترو شيئاً عن قصتها الغريبة - وكيف لا تكون غريبة قصة امرأة انتظرت سبعين سنة كاملة حتى تحققت احلامها كما شاءت !
تعيش « جدة رينولتس » على كتف تلة ، في بيت تظلله العرائش الخضراء ، بضواحي هوليود . ولا تلبث ان تجتمع بها حتى تسري عنك ، وتحس شيئاً من النشاط يداخل روحك ونفسك معاً ! تحييك بوجه يطفح بشراً ، وخصلات بيضاء تتناوج عن جبين عريض - ارادة وكبرياء !
وفي صالونها الهادي المتواضع تتحدث « جدة رينولتس » عن نفسها فتقول : - « ليس من عادتي التحدث عن الماضي فقد نثرت حوادثه ، كما تنثر الشجرة اوراقها في الخريف . فانا لا اطيق ان احمل ثقل الامس ، او ان اضيع الوقت بذرف الدموع . وقد انكشف لي ، بان الحياة تعطينا كل ما نريد ، اذا لم نكن مثقلي
الاكتاف بهموم الماضي .
هذه خلاصة فلسفة الحياة بنظر هذه المرأة الجبارة وها هي ترجع بنا ثمانين سنة الى الوراء يوم كانت طفلة في مزارع ابيها الواسعة ....
وكطفلة ، كانت قصيرة ، ذات شعر بني اشعث ، وشوق ملح للتحصيل ، فجمعت الدريهمات التي كانت تهبها اياها امها لقاء شغلها ، جمعت هذه الدريهمات واشترت بها قاموساً ، ومجموعة لروايات شكسبير . ولما حصلت على هذه المجموعة النفيسة ، غيّبت مشاهدها سطراً سطراً ، ومثّلتها بصوتها الرخيم ، للاشجار المصطفة على مدارج الحقول الخضراء ، واحسّت بنشوة وانتصار !
وكان الناس يرون في هذه الصبية الشابة ، جوّابة حقول ، نسّافة بيادر .. وامها فقط كانت تخالف الناس في رأيهم ، وتحكي لابنتها عن النساء المثقفات الانيقات وعن الامكانيات امامها . فلم تعرف الحنان الا وهي في ظل عينيها ، وكم كانت تتعطش الى الحنان !
وقالت السيدة رينولتس : « وكم كانت معارضة ابي شديدة عندما اردت الالتحاق باحدى مدارس البنات وثم بالكلية ! وحاول احد الاساتذة اقناعه بضرورة تعليمي ، ما دامت لي هذه الرغبة الملحّة ، فرفش الاستاذ خارج البيت ، وما كانت هذه الوحشية الا لتزيد عزيمتي قوة ... »
في سن السابعة عشرة ، احببت ابن المحافظ ولما عارض والدي على زواجنا ، هربنا معاً وتزوجنا ... وكان ان فشل زوجي فرنك في حياته وفي عمله غير انني لم أملّه البتة ، لانني اعتقد بان على المرأة ان تتقبل فشل زوجها كما تتقبل لون شعره ! وكانت راضية به على فشله . لم يغمرها بحبه وحنانه هي التي كانت ابداً تتوق الى المحبة والحنان !؟
وصار لها اولاد ... وعرضت عليها مرة احدى الفرق التمثيلية الجوالة ، الالتحاق بها والعمل معها ولما جابهت الواقع ، رأت انها لا تتخلى لاحد في العالم عن اولادها ، وان لا طاقه لها على فراقهم ... ورفضت الوظيفة على حبها لها ، والتصقت بعائلتها تغدق عليها حباً وحناناً وتمثل دور الامومة الصالحة ..
ومات زوجها تاركاً اربعة اطفال ، في حالة اشبه بالفقر والعوز ، فبدأ دور


