كان جالساً وامه في حديقة منزلهما الجميل في برلين، حين رفع نظره فجأة عن كتابه وابصر الدموع تترقرق في عيني والدته وقد تركت شغل الابرة يسقط على حضنها دون ان تأبه له او حتى يبدو عليها انها شعرت بسقوطه.
فسألها بلهفة: ما بالك يا اماه؟ هل انت مريضة؟ اتتألمين لشيء؟ وما الذي يزعجك؟
بعد ان مسحت العبرات المتساقطة على خديها وتنهدت تنهداً عميقاً به من الالم ومرارة الذكرى الوان، قالت، وقد نمت نظراتها عن هم دفين: ولدي... لقد حان الوقت لأحدثك بقصة والدك بعد ان بلغت الثامنة عشرة من عمرك وبعد ان اطمأننت الى قوة ساعدك واشتداد عودك.
سمع الشاب هذا الكلام فاقترب منها واصغى اليها بكليته وقال بشيء من اللهفة والاضطراب: أو لأبي قصة؟ حدثيني بها بربك.
فاستطردت قائلة وهي تنظر الى الافق البعيد وكأنها تقرأ في صفحات مجهولة قصة مسطورة في الفضاء حفظتها عن ظهر قلب:
كان ذلك سنة ١٩٢٩ حين اتى يوسف (والدك) من فلسطين الى برلين للدراسة في جامعاتها حيث كنت. وكثيراً ما كنا نذاكر دروسنا معاً ونذهب الى النزهة ولا نكاد نفترق في الليل حتى نصبح ونحن أشد ما نكون شوقاً لرؤية بعضنا البعض. وسرعان ما تحولت زمالتنا الى حب جارف توجناه في نفس السنة بالزواج. اعتزلت الدراسة واخذت اشتغل في مصنع للقبعات بينما كان هو يدرس نهاراً ويعمل ليلاً. وكان يكفينا ما نجمعه من نقود للعيش عيشة رضية هنيئة مليئة بالسعادة والحب. ولكن لم يكد يحل عام ١٩٣٠ حتى كنت قد وضعت ولدي البكر الذي هو أنت يا
باسم. وكم امتلأنا غبطة وسروراً لمجيئك اذ اكملت لنا اسباب سعادتنا. وبقينا كذلك في جنتنا الارضية حتى اكمل دراسته ونال الشهادة سنة ١٩٣٦ واخذنا نستعد للرحيل الى فلسطين للسكنى هناك مع عائلته. وفي مساء اليوم الذي ازمعنا في غداته الرحيل، وردت عليه رسالة من ابيه يقول له فيها - كما اخبرني - انه سعيد بانتهائه من دراسته وكم يود لو يراه ليهنئه على نجاحه. ولكن الاضطرابات بين العرب واليهود التي اخذت تسود فلسطين تجبره على ان يقول لولده ان يبقى في برلين ربما تهدأ الحالة ثم يعود.
ولكني عندما سمعت ذلك قلت له بلهجة ساخرة: أهذه الوطنية عندكم معشر الشرقيين؟ أيطلب منك والدك البقاء في برلين ربما تهدأ الحالة.. بينما فلسطين تدعو ابناءها للذود عن حياضها وهي على ابواب حرب طاحنة وتحتاج الى الايدي العاملة؟ أما كان الاجدر به ان يستعجل أوبتك كي تأخذ نصيبك وافراً من الجهاد وتشارك ابناء وطنك في محنتهم؟ فوالله لو كنت في اقصى المعمورة وأصاب المانيا مكروه لما توانيت لحظة عن القدوم اليها لاقوم بما علي من واجبات نحوها ولو في أضيق الحدود.
وما ان سمع هذه الكلمات حتى تجهم وجهه وانقلبت سحنته وثارت كبرياؤه. ثم قال: وداعاً يا لندا.. وداعاً يا باسم.. لن اعود الا ظافراً او شهيداً.
وفي الصباح كان يلوح لنا من نافذة القطار والدموع تترقرق في عينيه وانت
تصيح: بابا... بابا خذني معك. واما أنا فقد ارسلت لدموعي العنان بعد غيابه عن ناظري.
كانت ايام مريرة قاسية تلك التي قضيتها في غيابه. كنت اكد واكدح طيلة النهار والليل كي استطيع الحصول على ما يكفل لنا عيشة الكفاف. وقد كانت ترد علينا بين الحين والآخر رسائله تحمل لنا ما يقاسيه الثوار من الخوف وعدم الاستقرار وقلة الطعام والعتاد الحربي. كانت القيادة في الجبال وكانوا يقضون اوقاتهم في الكهوف والمغاور. وتحت استار الظلام كانت تصلهم الاطعمة والذخيرة. كانوا في قلق دائم. كانوا يحاربون عدوين في وقت واحد الانكليز واليهود.
رباه... كم حزنت عليه وكم وددت لو كنت معه كي اساعده. ولكن... فقد فات!...
وفي بعض رسائله كان يذكر لي عنوان احد اصدقائه ان أردت ان استعلم اخباره اذا حدث شيء.
وبعد عدة اشهر انقطعت اخباره عني فجأة فأرسلت الى عنوان ابيه اسأل عنه وشرحت له كل شيء. ثم ارسلت الى صديقه اسأل عنه ولكني لم انتظر الجواب بل ذهبت بنفسي الى فلسطين واصطحبتك معي لاني كنت قلقة عليه. وعندما وصلنا توجهت الى عنوان صديقه وسألت عنه. فقال لي والدموع في عينيه: لقد استشهد منذ اسبوعين... رحمه الله فقد كان بطلاً. اغمي علي لدى سماعي هذا

