النبأ . وعندما افقت كان اول شيء قلته : دلني على قبره بربك . وفي الطريق سألته : ترى هل علم والده بذلك ؟ فقال : نعم .. فقد اتى ليسألني عنه البارحة واعلمته .
وقفت على ضريحه واخذت ابكي بشدة وانت الى جانبي لا تدري ما حولك شيئاً . وكم تأثرت وتألمت حين قلت لي : امي ... أين أبي فقد قلت لي ونحن في القطار اننا ذاهبان لرؤيته .
نظرت اليك فرأيت وجهك البريء وعينيك الوادعين وفمك الباسم فضممتك الى صدري وقبلتك وقلت : انه هنا يا باسم . ولكنك اخذت تبكي وتصيح : انني لا اراه .. أين هو ... اريد ان اراه .
واذا بيد على كتفي فالتفت جزعة فعرفت فيه لأول وهلة والده لاني سبق ان رأيت صورة له مع والدك . فاسرعت اليه وارتميت على صدره وانا ابكي بصوت مرتفع . مرت لحظات لم ار فيها مما حولي شيئاً ولم انتبه الا على قوله لي بالانكليزية : الا تصحبيني الى البيت ؟ . لم أدر كم مر علي من الوقت ولكني انتبهت اليه بذهول واخذت احدق فيه بنظرات زائغة وكأني لا افهم ما يقول ثم اومأت اليه برأسي ان نعم .
مكثت عندهم حوالي الاسبوع كنت فيه مكرمة معززة ثم استأذنتهم بالرحيل فأذنوا لي على ان اعود لزيارتهم .
رجعت الى المانيا وفي القلب حسرة وفي النفس لوعة وأخذت اناضل من جديد في سبيل العيش الشريف . وعندما فكرت بالذهاب لزيارة اهله في فلسطين نشبت الحرب في المانيا فلم استطع الذهاب . وفضلت البقاء لخدمة بلادي .
آه .. ما كان امر تلك الايام وأقساها تلك التي قضيتها في ايام الحرب . فقد ارتفعت اسعار الحاجيات ارتفاعاً فاحشاً نظراً لقلتها .
لم يكن بإمكاني الحصول على ما يسد رمقي ورمقك الا بشق النفس وبالتعرض لخطر الجوع في كثير من الاحيان . وكم من ليال امضيناها على الطوى دون ان نجد ما نقتات به . هذا عدا الخوف وعدم الاستقرار « آه نعم .. لقد حزنا كثيراً في الحرب ولكن الايام ستدور وسيرجع المجد لألمانيا العزيزة » هذا ما كنا نقوله دائماً ولكن !! ..
وهنا وضعت رأسها بين يديها واجهشت بالبكاء . فعلا وجه باسم الحزن وتهدج صوته وهو يقول : لا تبكي يا اماه . محاولا ان يخفف عنها . ثم رفعت اليه نظرها وقالت : اني أرى الآن ان التاريخ يعيد نفسه . فها نحن في عام ١٩٤٨ وقد قرأت في الصحف ان الحرب قد نشبت بين العرب واليهود في فلسطين فيجب الا يخلو الميدان من أحدنا . فاقتد بأبيك وكن بطلاً مثله . ان وطن آبائك يدعوك وارجو ان تستجيب لندائه .
هنا سكتت الأم وساد بينهما صمت عميق كان كل منهما يفكر فيه لوحده . ثم نهض واخذ يمشي بخطى متثاقلة نحو البيت والحزن والهم يملآن قلبه والدمع يكاد يفضحه واتجه نحو غرفته واستلقى على سريره واخذ يفكر فيما سمعه من والدته . كان يتنازعه عاملان .. كان يحب والدته حباً شديداً بحيث لا يستطيع معه فراقها او البعد عنها كما ان وطن أبيه فلسطين يناديه ويدعوه للجهاد في سبيله قدوة بأبيه . أقضت مضجعه هذه الهواجس وصار يذرع الغرفة جيئة وذهاباً ولكنه لا يلبث ان يقف ويجلس على كرسي . ثم لا يعتم ان ينهض عنه ويعود الى الاستلقاء على السرير .
بقي طيلة تلك الليلة وهو يتقلب على الفراش لا يغمض له جفن . صعب عليه ان يفارق والدته التي لم يفارقها في يوم من الايام . كما انه عز عليه وأبت عليه
شهامته ان يقف عن نجدة وطن أبيه الذبيح فكان تارة يوطد عزمه على المكوث بقرب امه والبقاء في المانيا التي لم يعرف غيرها وطناً ولكنه لا يلبث ان ينقض عزمه ويؤكد لنفسه ان واجبه يقتضيه الذهاب الى فلسطين واخيراً ... واخيراً صمم .
في الصباح الباكر أتت والدته لتوقظه كعادتها . ولما طرقت الباب لم تسمع جواباً . فأعادت الطرق مثنى وثلاث واخيراً اشتد بها القلق فاقتحمت الغرفة . وما كان اشد دهشتها حين رأتها خالية . واستلفت نظرها خطاب على الطاولة ففضته بيد مرتجفة وقلب واجب . فقرأت فيه جملة مقتضبة .
« أماه وداعاً ... أنا ذاهب الى فلسطين ولم استطع الا تلبية نداء وطن ابي واجدادي للجهاد . سأكون بطلاً مثل ابي وسأنتقم له . فان عدت اليك عدت ظافراً والا فالاستشهاد اولى .
كنت أود من صميم قلبي ان اودعك يا أماه ولكني خفت ان تخونني شجاعتي في آخر لحظة واقف عن الذهاب الى فلسطين والاشتراك في حربها المقدسة » .
توالت عليها رسائله من ميدان الجهاد تحمل لها انباء المعارك التي يخوضها وهي ترسل له بدورها رسائل مليئة بالتشجيع والحث على المضي في الجهاد .
الى ان كان يوم انقطعت فيه اخباره عنها . فأخذت ترسل له الرسالة تلو الاخرى على أمل ان تسمع عنه ما يبرد قلبها ويثلج صدرها . ولكن في كل مرة كانت ترد اليها الرسائل غير مفتوحة .
وها هي الى الآن لا تزال نهبة للوساوس . والشك ... الشك القاتل لا يزال يعذبها وينغص عليها هناها . لانها لا تدري ان كان حياً او في عداد الخالدين .
نابلس - فلسطين
