زرياب !!
ما أطرفها من شخصية خالدة ، وما اهمها في تاريخ آداب الشعوب الراقية . تلك هي شخصية الموسيقي الفذ والمغني الفارسي زرياب .. الفنان الذي وان قل ذكره في كتب الادب العربي يظل خالداً ما خلد الفن الجميل ..
كان زرياب عبداً أسود بعيداً عن العرب في الشكل والاصل ولكنه قريب في العاطفة والخيال . لقد اثر هذا الفنان في الاندلسيين ادبياً واجتماعياً تأثيراً كبيراً فراحت بلاد الاندلس بأسرها تقلد عاداته الراقية وفنونه العالية التي اصبحت فيها بعد عاداتها وفنونها والتي شاد الغربيون بذكرها واطلقوا عليها لفظة « Etiquette » اعني اصول علم الاجتماع .
كان زرياب في شخصيات عصره ذا شهرة قل ان احرزها فنان . ذلك لأنه لم يكن مهذباً لكماليات الشعب فحسب بل كان أليفاً لذوقهم وعاداتهم . وما
اصعب هذا التهذيب من عمل وما أقل ان ينجح المحاول ؛ ولكن فناننا نجح حتى عند الملوك فقد اتخذوا عاداته وفته نموذجاً لهم وكان من الشخصيات التي يستشفع بها عندهم ...
اسمه الحقيقي هو ابو الحسن علي بن نافع وأما لقبه زرياب فقد غلب عليه ببلده من اجل سواد لونه مع فصاحة لسانه وحلاوة شمائله ، وقد كان يشبه بطائر اسود غرد عندهم . اخبار حياته الاولى تكاد تكون معدومة من الكتب ، وكل ما نعرفه عنه من هذه الناحية انه نشأ في مدينة بغداد وانه كان مساعداً وتلميذاً للمغني الشهير اسحق الموصلي .
درس زرياب الغناء على يدي اسحق فهم صناعته وتلقف من اغانيه اكثرها . وقد فاق اسحق واسحق لا يشعر بذلك . وفي احدى مجالس اللهو عند الرشيد استطاع زرياب عن طريق استاذه ان يغني أغنيته الشهيرة .
يا ايها الملك الميمون طائره
هرون ، راح اليك الناس وابتكروا
وعندما اتم النوبة طار الرشيد طرباً
ومدحه أشد المدح وامر اسحق بأن
يعتني بشأنه .
عندما سمع اسحق ذلك اشتد حقده
على زرياب وأكلت الغيرة قلبه وحين نفذ صبره خلا به وخيره بين أمرين اما الرحيل واما القتل : فرأى زرياب ان خير طريقة له النجاة بنفسه وبعائلته . فرحل الى المغرب وهناك رأى ان خير طريقة له هي ان يلجأ الى الحكم . فكتب اليه يعلمه باختياره اياه وبمكانه من الصناعة التي ينتحلها ويسأله الاذن في الوصول اليه . فسر الحكم كثيراً بكتابه واظهر رغبته الشديدة في التعرف عليه . فسار زرياب نحوه بعياله واولاده . وفي الاندلس استقبل زرياب استقبالاً لم يحلم به طول حياته وانزل في دار من احسن الدور وكتب له ولأولاده رواتب باهظة ..
وفي الاندلس ابتسم الدهر لزرياب فأحله محلاً عالياً فبدأ الامراء بمجالسته على النبيذ وسماع الغناء . واشتدت الالفة بينه وبينهم حتى انه كان يتناول الطعام معهم واخيراً فُتح له باب خاص كان يستدعيه الامير منه متى اراده .
وقد احدث قدوم زرياب نهضة غنائية في الاندلس . وزرياب هو الذي زاد على أوتار العود وتراً خامساً وهو الذي اخترع مضراب العود من قوادم النسر . ولعل ابرز شيء قام به هو مدرسته الموسيقية . وقد كانت هذه المدرسة جد مميزة آنذاك حتى انه كان


