بيتي مملكتي الصغيرة
«فيما عرفت من الأشياء، وما أكثرها، لم أعرف ولم أجد،
أطيب وأجمل من مدفأة بيتي».
يجيء في بالي الآن، هذا القول الحنون، الذي يعبر تعبيراً
دافئاً عن الروابط العميقة التي تربط بين الإنسان وبين بيته ...
وفيه تتلخص حكاية العائلة تلخيصاً رائعاً ...
«مدفأة البيت» تذكرني بها الآن، هذه الطبيعة الغاضبة،
وهذا الصقيع الذي يجلد العظام، وأشعر كأن بيني وبينها رابطة
كانت منذ الأزل، رابطة تشدني إلى تلك الزاوية الأنيسة في بيتي،
في كل مساء، أسمّر عيني في النار المتألقة لهباً حمراء، وأقلب
كفّي على وهجها الدافئ، وفي نشوة كبيرة أحس بجو من
السعادة يغمر حياتي كلها، سعادة الهية لا يمكن للإنسان أن يحس
بها، إلا في زوايا بيته، هذه المملكة الصغيرة الكبيرة، حيث
تنهار الأنانيات وتزول الأصباغ التي يكلفنا إياها المجتمع. ويبقى
الإنسان، بالأخص المرأة - وجهاً لوجه مع نفسها الصافية ومع
حقيقة هذه النفس، وما فيها من خير وجمال وحنان.
وأية سعادة أصفى من هذه السعادة التي يلقاها المرء منا،
في غمرة الاطمئنان والهدوء والراحة، في التأمل بجمال هذه
المملكة الصغيرة ... في نظام وهندسة هذه المملكة، وأخيراً
في تدبير شؤون هذه المملكة وشؤون رعاياها ...
وأية سعادة يمكن للمرأة العاقلة الحكيمة - هذه المملكة التي
توّجها الله بيمينه. أية سعادة، أقول، يمكن للمرأة أن تلقاها
أعمق من إحساسها الداخلي، أنها الآن، وهي في بيتها، قيّمة
على أغلى وأثمن ما أعطاه الله للأرض من عطايا ... إنها أمينة
وحدها على النوع البشري، تحافظ عليه بالقلب ونور الأحداق..
وأنها في الوقت نفسه، أمينة على سعادة الإنسانية كلها، من
خلال عائلتها، زوجها، وأطفالها ...
مملكتي الصغيرة، بيتي، بيتك أيتها المرأة، إنه الزاوية التي
تجلسين فيها ساعات من ليلك، وساعات من نهارك، على عرش
صغير من القلوب، تقرأين كتاباً، إذا شئت، تتدبرين منه أمور
المملكة الصغيرة. إنه الزاوية التي تجلسين فيها إلى طفلك، دون
أي ملل أو ضجر، تعلمينه دروسه في صبر المرأة العجيب،
وتنشئينه للحياة خير ما تنشّئ يدٌ غرسة طرية ...
بيتي، بيتك أيتها المرأة، إنه الزاوية التي تجلسين فيها في هذه
الأيام الباردة، تغزلين من حنانك ومحبتك صوفاً لصدور أطفالك
ولأزواجهم ...
وإنه، أيتها المرأة، هذه الرائحة الطيبة المنبعثة من شهيّ
الطعام الذي طبخته يداك ... وإنه هذه الباقة الجميلة من الورد،
وإن عزّ الورد، فهو هذه الطاقة من الزهور البرية الجميلة تبعث
في البيت هذا الشيء الهنيء، ترتاح إليه العين والنفس.
★
ما فكرت مرة بالبيت والعائلة في لبنان، إلا وشعرت أن
أشياء كثيرة، خارجة عن نطاق النفس، بدأت تهدد البيت اللبناني
والعائلة اللبنانية.
لا يمكنني الآن أن أحدد تلك العوامل التي تهدد الحياة العائلية
في لبنان، ولكني أحسّها إحساساً عميقاً. أحس أن شيئاً مقدساً
بدأ يتلاشى من حياتنا... تلك هي «محبة البيت». وجهلنا
لما يترتب على هذا الإهمال من خراب لقضايا الروح البثاءة
في الأمة.
قد تكون الموجة الغربية التي تلتطم بها حياتنا فيصيبنا منها
رشاش قوي ...
في الغرب، تفكك أصاب العيلة في الصميم، فهي ليست
اليوم جسماً واحداً يرتبط إلى بعضه ارتباطاً متيناً، ولكنها أجزاء
مبعثرة هنا وهناك، بعضها في المعمل وبعضها في المكتب، وقلما
تلتقي هذه الأعضاء المبعثرة، حتى في وقعة المساء، حينما تطيب
الليالي ويطيب السمر.
وأصبح الوثاق بين الآباء وأولادهم، هزيلاً لا تشده إلى بعضه
أواصر التفاهم والمحبة ونتج عن ذلك أن الفتيان والفتيات، على
