هي فكرة سادت حتى اصبحت عقيدة ثابتة،
تلك الفكرة القائلة بان في اساس
كل اضطراب يحل بالمجتمع، او مصاب
يصيب العائلة، امرأة .. فاذا ما وقعت
الواقعة تهامس الناس دون تمحيص، الرجال
منهم والنساء على السواء، فتش عن المرأة.
تحل بالعالم ازمة بطالة ويملأ العمال
العاطلون البلاد يطلبون عملاً يدر
عليهم قوت اطفالهم، وتعقد الاجتماعات
للنظر في حل او تخفيف للازمة، ويبحثون
الامر ويبحثون ثم يخرجون وهم يهزون
رؤوسهم قائلين « فتش عن المرأة ». لقد
زاحمت المرأة الرجل فاحدث التزاحم
هذه الازمة .. وقد نسوا او تناسوا ان
هذه المرأة انما تعمل في اغلب الاحيان
لتعول ذويها او اطفالها بعد ان فقدوا
معيلهم، او لتعول نفسها بعد ان كانت
عبئاً ثقيلاً على كاهل الرجل، فهي ليست
مزاحمة اذاً بل شريكة تعمل مثله سواء
بسواء لتخفيف ويلات الحياة ..
وتحدث فضيحة في اسرة، يتشاجر
صديقان بسبب غرام فاسد حتى لقد تسفك
دماء ويقضى على شباب غض ومستقبل
باهر، ويتهامس الناس، وتخرج من
الافواه في زفرة مؤلمة، فتش عن المرأة.
وهم لو انصفوا لالقوا التبعة على الشريكين
معاً، على الصديق الذي خان الثقة،
وعلى الزوجة التي خانت العهد ... لو
انصفوا لالقوا التبعة على هوى فاسد لا
يعرف الايثار والتضحية، وعلى خلق
منحط، وصداقة متراخية لم يشدد ازرها
الحب الاخوي والاخلاص السامي.
وتسود الفوضى منزلاً، فوضى في
الاقتصاديات وفوضى في معاملة الصغار،
وفوضى في كل انحاء المنزل، ويلحظ
الجيران والزائرون فيتهامسون، فتش
عن المرأة. ولربما كان من العدل ان
يفتشوا عن الرجل، فلقد يكون رب
المنزل مسرفاً مقامراً يضنّ على الزوجة
بما يكفل هناء الاسرة، ولقد يكون
سكيراً فاسقاً اساء معاملة المسكينة
فتحطمت اعصابها وشغلت بالامها ويأسها
عن كل ما يحيط بها ..
وتساهم المرأة بعظائم الامور، فهذا
مكتشف اميركا يطرق ابواب ملوك
اوروبا يطلب حماية ومالاً ليخرج الى حيز
الوجود فكرة تلهب دماغه فيخذله الجميع،
حتى اذا ما اقبل على ملك الاسبان العظيم
فخذله بدوره، تدخلت المرأة فتغلبت على
اعضاء المجلس الذي عقد للنظر في الامر
فقرر رفض الطلب، وتغلبت كذلك
على المليك الذي خشي المجازفة بدفع نفقات
البحار الشجاع .. لقد راحت ايزابلا
الحكيمة زوجة المليك تحاج وتقنع ثم
تقدم حليها لتفي بنفقات كولمبوس، حتى
اضطر المليك ازاء هذه التضحية والشجاعة
للرضوخ وهو يهتف، ليكون ما تريده
الحبيبة ايزابلا .. ونفذت الفكرة وسجل
التاريخ لكولمبوس عمله الخالد بينما رقدت
ايزابلا في زاوية متواضعة من زوايا
التاريخ، ولم يقل احد، فتش عن المرأة.
وهذا باستور رجل البركة للدنيا،
يجمع الاحسان ليشيد معهداً او مختبراً،
ويدخل على احدى السيدات فتقدم له
شكاً يأخذه شاكراً دون ان ينظر اليه
وقد اعتقد ان المحسنة قد تبرعت بألف
فرنك على اكثر تقدير. ويخرج الرجل
ثم يعود مسرعاً يبرز يد السيدة وقد حبس
التأثر عبارات الشكر في فمه، لقد قرأ
في الورقة هذه الكلمات « ادفعوا لامر
لويس باستور مليون فرنك »، وبني معهد
باستور، ذلك المعهد الذي شعاره، هنا


